الهند واليابان.. شراكة دفاعية وتوترات إقليمية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لطالما ارتبطت اليابان والهند بعلاقات وثيقة وطويلة الأمد على مدار سنوات عديدة. وكان رئيس الوزراء الياباني الأسبق شينزو آبي هو مَن وصف الهند واليابان بأنهما «حليفان طبيعيان»، ترتكز علاقاتهما على القيم الديمقراطية المشتركة، كما أبرز نطاق النفوذ الممتد بين البلدين.

ومنذ ذلك الحين، تطوّرت العلاقات الثنائية ليُصبح البلدان عضوين في المنتدى الأمني الرباعي إلى جانب الولايات المتحدة وأستراليا. كذلك تربط البلدين علاقات اقتصادية عميقة، إذ تقدم اليابان منحاً وقروضاً لتمويل تطوير البنية التحتية في الهند. لكن التعاون بينهما يتوسع الآن أيضاً في المجال الدفاعي، بالتزامن مع تعزيز اليابان قدراتها الدفاعية بعد عقود من القيود التي فرضتها على نفسها في مجال الدفاع عقب الحرب العالمية الثانية. وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية وحالة عدم اليقين الجيوسياسي، تستهدف اليابان ميزانية دفاع قياسية تبلغ نحو 56.1 مليار دولار، بما يرفع الإنفاق العسكري إلى 2% من ناتجها المحلي الإجمالي.

واتفقت الهند واليابان الأسبوع الماضي على تعميق تعاونهما الدفاعي في المجال البحري، بما يتضمن استكشاف إمكانية التطوير المشترك للسفن الحربية وتصميمها، وذلك خلال زيارة وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي إلى الهند. ويشمل ذلك تعزيز الاستفادة من قُدرات الهند في بناء السفن في إطار مبادرة «صنع في الهند»، وإنشاء مرافق متبادلة لإصلاح السفن، وتوسيع نطاق نقل التكنولوجيا الدفاعية. ويمتلك البلدان نفوذاً بحرياً كبيراً، إذ تمرُّ طرق التجارة الحيوية عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتم توقيع مذكرة التفاهم عقب مباحثات موسّعة بين وزير الدفاع الهندي راج ناث سينغ ونظيره الياباني، بهدف زيادة التعاون في المجال الدفاعي.

وأكد الوزير الهندي على أن العلاقات الهندية اليابانية تستند إلى القيم الديمقراطية المشتركة والاحترام المتبادل والروابط الحضارية العريقة. وأضاف أن الصداقة التي تجمع الدولتين أصبحت ركيزة أساسية للاستقرار والصمود والنظام القائم على القواعد، ليس فقط للبلدين، بل لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ بأكملها. ومن المؤكد أن الهند واليابان، بوصفهما ديمقراطيتين رائدتين في آسيا، تتحملان مسؤولية جسيمة لضمان السلام والاستقرار والازدهار. كما أن خطوط الملاحة البحرية تواجه مخاطر متزايدة، وأن الجهود المبذولة لضمان حرية الملاحة والتحليق والتجارة المشروعة دون عوائق ليست مجرد ضرورة اقتصادية، بل ضرورة استراتيجية.
واستعاد الوزيران نتائج البيان المشترك الصادر عن قادة الهند واليابان في يوليو الماضي، حيث أكدا التزامهما، تحت قيادتهما، بمواصلة تعميق التعاون الدفاعي من أجل تحقيق منطقة حرة ومفتوحة للمحيطين الهندي والهادئ. كما رحّبا بالتوسع المطّرد والتعميق المستمر للمناورات الثنائية التي تجريها اليابان والهند، ومن بينها مناورة الجيشين الياباني والهندي «دارما غارديان»، والمناورة البحرية اليابانية-الهندية «جيمكس». كما رحّبا بالتقدم المستمر في التنسيق بشأن المناورة الجوية بين القوات الجوية اليابانية والهندية، «فير غارديان 26»، المقرّر إجراؤها في وقت لاحق من العام الجاري.

وتوفر أحدث اتفاقية بين البلدين إطاراً منظّماً للتعاون لجعله أكثر مؤسّسية وفعالية. وكانت الحكومة اليابانية قد رفعت في أبريل الماضي الحظر المفروض بعد الحرب العالمية الثانية على تصدير الأسلحة الفتّاكة، بما يسمح ببيع الأسلحة الدفاعية والتعاون في هذا المجال مع 17 دولة، من بينها الهند. ويُنظر إلى هذه الخطوة كاستجابة يابانية لاضطراب النظام العالمي.

وخلال زيارة رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكائيتشي إلى الهند في يوليو الماضي، أكدت مجدَّداً مع نظيرها الهندي، التزام البلدين بالحفاظ على السلام والاستقرار وحرية الملاحة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بجانب دعمهما لنظام دولي قائم على القواعد. كما اتفق البلدان على التعاون من خلال أُطر متعددة الأطراف، بما يشمل «الحوار الرباعي-كواد»، الذي يضم أيضاً أستراليا والولايات المتحدة. ويؤمن كل من الهند واليابان بأهمية هذا التجمع الرباعي ودوره.
ويمثّل التعاون الدفاعي بين اليابان والهند تطوراً مهماً، إذ تمتلك اليابان قدرات تكنولوجية متقدمة، بينما تتمتع الهند بقاعدة صناعية قوية تنمو بوتيرة متسارعة. ويعزّز التعاون الدفاعي بين البلدين الأمن البحري للهند، ويحسّن قابلية التشغيل البيني بينهما. وسيتمتع البلدان، اللذان يجريان بالفعل تدريبات مشتركة، بقابلية تشغيل بيني أكبر. وتدعم العلاقات الدفاعية بينهما بالفعل آليّات عدة، من بينها الحوار بصيغة «2+2» الذي يجمع وزيري الخارجية والدفاع، والاجتماعات السنوية لوزيري الدفاع، والتعاون بين خفر السواحل. كما تتيح «اتفاقية الاستحواذ والخدمات المتبادلة» للقوات المسلحة في البلدين تقديم الإمدادات والخدمات لبعضهما بعضاً.
وتمتلك الهند بالفعل شبكة من اتفاقيات الدعم اللوجستي الدفاعي مع القوى الكبرى، وتُعزّز الاتفاقية مع اليابان نطاقها الاستراتيجي. وبالنسبة للهند، يُعزّز التعاون مع اليابان قدرتها على مراقبة وتأمين المنطقتين المهمتين.
وبشكل عام، تُمثّل العلاقات الهندية- اليابانية شراكة استراتيجية عالمية مميزة، تشمل التعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وغيرها من المجالات الأخرى. وبالنسبة للهند، لا تستهدف هذه الشراكة دولة أو تكتلاً بعينه، بل تُعتبر تجسيداً لتلاقي دولتين تتشاركان رؤيةً عالميةً متقاربة. فكلتاهما تؤمنان بمنطقة حرة ومفتوحة وشاملة تقوم على قواعد مقبولة. كما يقوم تعاونهما الدفاعي على تلك المبادئ نفسها. 


*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي



إقرأ المزيد