جريدة الإتحاد - 9/1/2026 11:58:46 PM - GMT (+4 )
نشر بيل جيتس، الملياردير والمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، مقالاً طويلاً في أغسطس، يوضح فيه إنه كان سيُبطئ وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لو كان ذلك باستطاعته. وصرح في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، أن الأشخاص الذين يدركون مدى روعة وتطور تلك التكنولوجيا وسرعة تحسنها يشعرون بقلق بالغ، لكنهم يتجنبون الحديث علناً خشية الإضرار بمصالح القطاع وقدرته على جمع تريليونات الدولارات. وسخر جيتس من فكرة اعتماد القطاع على التنظيم الذاتي، قائلاً: «التنظيم الذاتي هو أخطر أداة اخترعها البشر على الإطلاق؟».
وتوضح تسوية قانونية مقترحة مع شركة ميتا بلاتفورمز جانباً من المشهد. فقد أعلنت مجموعة من المدعين العامين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي تضم 51 مدعياً عاماً اتفاقاً يلزم الشركة، التي تدير فيسبوك وإنستجرام، بفرض قيود صارمة على استخدام الأطفال لمنصاتها، وهي قيود أضعف مما يفرضه بعض قادة الشركة على أبنائهم.
وتشمل القيود حداً افتراضياً مدته ساعتان يومياً لحسابات القُصّر، وحظر استخدامها من منتصف الليل حتى السادسة صباحاً، ومنع إظهار عدد «الإعجابات» وفلاتر التجميل لمن هم دون 18 عاماً، إلى جانب تدقيق مستقل للتحقق من الالتزام. وقال «بيتر ثيل»، أول مستثمر خارجي في فيسبوك وعضو مجلس إدارة ميتا لفترة طويلة، إن آباء وادي السيليكون يفرضون قيوداً شديدة على وقت أطفالهم أمام الشاشات. كما قال مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» إنه لا يريد لأطفاله الانتقال بشكل سلبي من فيديو إلى آخر، رغم أن منتجات ميتا صُممت عملياً لدفع أطفال الآخرين إلى هذا السلوك.
ويطرح ذلك سؤالاً أساسياً: لماذا تنشئ شركات التكنولوجيا منتجات لا يثق قادتها في السماح لأطفالهم باستخدامها؟ يقول تشاماث باليهابيتيا، الرئيس التنفيذي لشركة «سوشيال كابيتال» والمشارك في تقديم برنامج «أول-إن»، إن وادي السيليكون ابتعد عن قيمه الأصلية، فتحول من بيئة للمبدعين إلى صناعة يهيمن عليها السعي إلى جني الأموال. والمفارقة أن باليهابيتيا نفسه كان قد حث طلاب ماجستير إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد على جني الأموال أولاً ثم التفكير في وضع قواعد جديدة، رغم إقراره بأن الأدوات التي ساعد في تطويرها كانت تمزق النسيج الاجتماعي.
ولذلك، فإن صناعة لا يثق قادتها في منتجاتها عندما يتعلق الأمر بأطفالهم ستجد صعوبة في كسب ثقة الجمهور، لاسيما عندما تطالب بمزيد من الثروة والنفوذ. فقد أصبحت المعارضة الشعبية لبناء مراكز البيانات أشد من المعارضة لبناء محطات الطاقة النووية. وأظهر استطلاع أجرته شبكة «سي إن بي سي» ومختبر «جينيريشن» وشمل 1088 أميركياً بين 18 و34 عاماً أن أغلبية ساحقة لا تثق بقادة الذكاء الاصطناعي.
وكان رد الفعل هو إلقاء اللوم على من يحذرون من سلبيات الذكاء الاصطناعي المحتملة، وعلى رأسهم شركة «أنثروبيك» ورئيسها التنفيذي «داريو أمودي»، حيث أعرب باليهابيتيا عن أسفه لثقافة وادي السيليكون الجديدة ورفض ما وصفه بسردية التشاؤم المفرط بشأن الذكاء الاصطناعي، واتهم ديفيد ساكس، المستثمر والمسؤول السابق عن ملف الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة في إدارة ترامب، «أنثروبيك» متورطة في مخطط استحواذ متطور من خلال إثارة المخاوف، وقال إن «أمودي» أكثر من روج للمخاوف. وحتى مع إقراره بأن مخاوف أمودي قد تكون صادقة، اعتبر «ساكس» أن التعبير عنها محاولة للتأثير على الحكومة.
لكن إذا كانت التحذيرات الصادقة تُعامل باعتبارها محاولة للتلاعب بالحكومة، فلن يتمكن أحد داخل القطاع من التحذير من المخاطر أو المطالبة بحماية الجمهور. وقد قال جيتس إن من يتحدثون صراحة عن سلبيات الذكاء الاصطناعي يتعرضون للهجوم. ومعاقبة أمودي لن تؤدي إلا إلى تعزيز اعتقاد الجمهور بأن الصناعة ستعاقب كل من يحذر من أخطار الذكاء الاصطناعي.
صناعة الذكاء الاصطناعي لا تملك قاعدة ضخمة من الموظفين للدفاع عنها. فمركز البيانات النموذجي في ولاية فرجينيا، الذي تبلغ مساحته 250 ألف قدم مربعة، يوظف نحو 50 عاملاً بدوام كامل بعد افتتاحه. وتستثمر أمازون 35 مليار دولار في الولاية بحلول 2040 مقابل ما لا يقل عن ألف وظيفة، بينما كلف الإعفاء الضريبي الممنوح للصناعة الولاية نحو 1.6 مليار دولار في السنة المالية 2025.
وإذا أرادت صناعة الذكاء الاصطناعي تخفيف ردود الفعل الغاضبة، فيتعين عليها أن تبدأ بتبني نصيحة جيتس، القائد التكنولوجي الوحيد الذي كان على الطرف الآخر لمحاولة حكومية لتفكيك شركته، حيث يرى أن إنشاء هيئة تنظيمية فعالة، وتوفير حماية حقيقية للأطفال، وضمان حصول المجتمعات على أكثر من 50 وظيفة من مراكز البيانات في مقابل الإعفاءات الضريبية، سيكون بداية جيدة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشنَ»
*كاتب متخصص في الإدارة والابتكار، ويُدرس القيادة بكلية «يل» للإدارة.
إقرأ المزيد


