أسلحة الليزر ومستقبل الحرب البحرية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تدخل الحرب البحرية مرحلة جديدة قد لا يكون السؤال المحوري فيها بعد الآن هو: من يمتلك السلاح الأكثر تطوراً وإبهاراً؟ وإنما: من يستطيع الحفاظ على قوته القتالية لأطول فترة ممكنة في مواجهة هجمات متكررة؟ أظهرت الصراعات الأخيرة مدى السرعة التي تستطيع بها الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، والطائرات الهجومية أحادية الاتجاه، وغيرها من الأسلحة منخفضة التكلفة نسبياً، الضغط على أكثر منظومات الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي تقدماً.

وقد ينجح المدافع الذي يطلق صواريخ اعتراضية تبلغ كُلفة الواحد منها ملايين الدولارات ضد طائرات مسيّرة زهيدة التكلفة في كسب الاشتباك الفوري، لكنه قد يخسر في المقابل المعركة الأوسع المتعلقة بالقدرة على التحمل والاستمرار. ولذلك تصبح مخزونات الصواريخ، وعدد الأسلحة التي تستطيع السفينة حملها، وسرعة قدرة الصناعة الأميركية على إنتاج البدائل، كلها عوامل حاسمة في أي مواجهة بحرية طويلة الأمد. ويتحوّل هذا الاختلال المتزايد بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع إلى أحد أبرز التحديات، التي تواجه البحرية الأميركية.

ولهذا تكتسب أسلحة الطاقة الموجهة، ولا سيما الليزرات عالية القدرة، أهمية استراتيجية. وتتيح الليزرات إمكانية نقل جزء من منظومة الدفاع البحري بعيداً عن الذخائر المخزنة والمحدودة، نحو الطاقة الكهربائية المتاحة على متن السفينة. وإذا جرى دمجها بصورة صحيحة، يمكن لهذا التحول أن يمكّن السفن الحربية من التصدي لبعض التهديدات منخفضة التكلفة بسرعة الضوء، وبتكلفة هامشية تعتمد بدرجة أكبر على الوقود وتوليد الطاقة والصيانة، بدلاً من استهلاك صواريخ دفاعية باهظة الثمن. هذا الوعد حقيقي، لكن تحكمه حدود الفيزياء. فالليزرات ليست أسلحة سحرية.

إنها أنظمة تعمل ضمن خط الرؤية المباشر، وتتوقف فاعليتها على الظروف الجوية، واستقرار الشعاع، وتركيب الهدف، ومدة تركيز الشعاع عليه، أي الفترة التي يتعين خلالها إبقاء الشعاع مركزاً على الهدف لإلحاق الضرر به أو تدميره. يحمل الصاروخ طاقته التدميرية معه بعد إطلاقه. أما الليزر، فعلى العكس من ذلك، يعتمد على أداء السفينة بأكملها: قدرة توليد الطاقة، والقدرة على توفير تيار كهربائي مستقر، وأنظمة التبريد، والمعدات التي تحافظ على دقة تركيز الشعاع، وحالة العدسات والمرايا، والربط بين الليزر وأجهزة استشعار السفينة وأنظمتها الدفاعية، فضلاً عن كفاءة الطاقم. لذلك لا تكمن المسألة في ما إذا كان الليزر يستطيع تدمير هدف خلال اختبار مُحكم، فهو يستطيع ذلك.

وإنما تكمن المسألة في ما إذا كانت السفينة الحربية تستطيع توليد الطاقة اللازمة لليزر والحفاظ عليها بصورة متكررة، وفي الوقت نفسه تشغيل أنظمة الدفع والرادار والاتصالات والحرب الإلكترونية وغيرها من الأنظمة الضرورية لخوض معركة بحرية. وهذا يجعل الطاقة الموجهة تحدياً في تصميم السفن بقدر ما هي تحدٍّ في تصميم الأسلحة.

وستصبح الطاقة الكهربائية المتاحة على متن السفينة بصورة متزايدة مقياساً لقوتها القتالية. وستكون السفن المستقبلية ذات القدرة الكهربائية الأكبر أكثر قدرة على دمج أجهزة الاستشعار المتقدمة، وأسلحة الطاقة الموجهة، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وأنظمة الحوسبة التكتيكية. أما السفن التي لا تمتلك احتياطيات كافية من الطاقة الكهربائية وقدرات التبريد، فستواجه صعوبة في استيعاب منظومات القتال المستقبلية، مع تحول الطاقة والتبريد إلى عنصرين لا يقلان أهمية في الفاعلية القتالية عن الذخيرة والسرعة والمدى والحمولة.

وقد يصبح التبريد في نهاية المطاف العامل الحاسم. فحتى الليزرات عالية الكفاءة تنتج كميات هائلة من الحرارة المهدرة. فإذا كان نظام ما يحول 30% من الطاقة الكهربائية التي يستهلكها إلى شعاع قابل للاستخدام، فعليه التخلص من نسبة ال70% المتبقية على شكل حرارة. والسؤال هنا هو: هل يستطيع النظام إطلاق النار بصورة متكررة ضد عدة تهديدات قادمة من دون أن ترتفع حرارته بشكل مفرط، أو تتراجع فاعلية الليزر، أو يتأثر أداء الأنظمة الحيوية الأخرى على متن السفينة؟ وتزيد البيئة البحرية من تعقيد هذا التحدي.

فالهواء المالح، والرطوبة، والجسيمات العالقة في الغلاف الجوي، والاهتزاز، وحركة السفينة، كلها عوامل يمكن أن تتداخل مع قدرة الليزر على الحفاظ على تركيزه وإيصال الطاقة الكافية إلى الهدف. ولذلك فإن الأنظمة التي تعمل بكفاءة على اليابسة لا تزال مطالبة بإثبات قدرتها على العمل بموثوقية في البحر. ولا يعني أي من ذلك أن الطاقة الموجهة غير عملية، بل يعني أن دمجها بعناية مع السفينة وأنظمة القتال الأخرى أصبح أمراً لا غنى عنه.

وتتمثّل أقوى حجة للاستخدام القريب المدى لليزرات في كونها جزءاً من دفاع متعدد الطبقات ضد الطائرات المسيّرة، والسفن السطحية غير المأهولة، وغيرها من التهديدات منخفضة التكلفة. وفي مواجهة هذه التهديدات، يمكن للطاقة الموجهة أن تحسن المعادلة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع، وأن تحافظ على الصواريخ الباهظة والمحدودة للتهديدات الأكثر خطورة، مثل الصواريخ الأسرع من الصوت والأسلحة الباليستية. والطريقة الصحيحة للتفكير في الليزرات ليست باعتبارها بديلاً للصواريخ، وإنما باعتبارها وسيلة لزيادة عمق مخزون السفينة من الأسلحة، من خلال الحفاظ على إمداداتها المحدودة من الصواريخ للتهديدات التي تستدعي استخدامها.

فكل صاروخ دفاعي يُطلق على طائرة مسيّرة رخيصة يعني وجود سلاح أقل متاح لمواجهة الهجوم التالي، أو لاستخدامه في نقل المعركة إلى العدو. وإذا تمكّنت الليزرات من تحمل جزء من العبء الدفاعي، فإن ذلك يمنح القادة مزيداً من الخيارات، ويحافظ للبحارة على الأسلحة التي سيحتاجون إليها أكثر من غيرها، ويتيح للسفن البقاء فاعلة وقاتلة لفترة أطول. ولا يقتصر التحدي على الأسلحة أو السفن الفردية، بل هو أيضاً مشكلة تتعلق بالتصنيع والجاهزية للأسطول. فأسلحة الطاقة الموجهة تحتاج إلى قاعدة صناعية مرنة وقادرة على إنتاج البصريات المتقدمة، وإلكترونيات الطاقة، وأشباه الموصلات، وأنظمة التبريد، والمعدات البحرية التي يستطيع البحارة صيانتها وإصلاحها على نطاق واسع. كما تحتاج إلى أسطول قادر على تشغيل هذه الأنظمة في ظروف القتال الفعلية. وينطبق إطار البحرية الأميركية المعروف باسم «المسبك، الأسطول، القتال» (Foundry، Fleet، Fight) بصورة مباشرة على هذا المجال. فعلى «المسبك» أن يوفر الخبرات التصنيعية والقدرة الإنتاجية اللازمة للأنظمة المتقدمة. وعلى «الأسطول» دمج هذه الأنظمة في السفن والوحدات القتالية، والحفاظ على تشغيلها. أما «القتال» فهو المجال الذي نثبت فيه أن التكنولوجيا والسفينة والبحّار قادرون على العمل معاً في ظل الظروف القاسية التي لا ترحم في ساحات القتال.

ولا تتمثل أسرع وسيلة للمضي قدماً في انتظار أنظمة مثالية بقدرة الميغاواط. بل ينبغي للبحرية أن تتقدم بصورة تدريجية، بدءاً من أنظمة الليزر الموجودة داخل حاويات، وهي وحدات معيارية مستقلة يمكن إضافتها إلى السفن الحالية مع الحاجة إلى تعديلات رئيسية أقل، وبمتطلبات يمكن التحكم فيها من حيث الطاقة والتبريد. وستتيح هذه الأنظمة للبحارة تطوير التكتيكات وإجراءات الصيانة واكتساب الخبرة الواقعية الآن بدلاً من الانتظار لسنوات. كما يمكنها أن تتيح تحديثات أسرع وانتشاراً أوسع في الأسطول مع نضج التكنولوجيا.

وهي ليست الحل النهائي، لكنها تمثّل جسراً عملياً بين التكنولوجيا الواعدة والقدرة التشغيلية التي يستطيع الأسطول التعلم منها وتحسينها وتوسيع نطاق استخدامها. وفي الوقت نفسه، يجب على البحرية أن تقاوم المبالغة في ما تستطيع الليزرات تحقيقه. فستظل التأثيرات الجوية مشكلة قائمة، وكذلك التنافس بين أنظمة السفينة المختلفة على الطاقة الكهربائية، ومتطلبات صيانة معدات الليزر المعقدة. ولن يثق القادة بهذه الأنظمة إلا بعد أن تثبت مراراً موثوقيتها في ظروف بحرية واقعية، وكجزء من منظومة قتال متكاملة. ولن تعيد الطاقة الموجهة، بمفردها، تعريف الحرب البحرية. لكن الأساطيل التي تتقنها تقنياً وتكتيكياً وصناعياً ستحصل على ميزة كبيرة عندما تواجه أعداداً كبيرة من التهديدات القادمة في وقت واحد، وهو تحدٍ يُرجح بصورة متزايدة أن يصبح سمة أساسية للقتال البحري الحديث.

وقد تكون أفضلية المستقبل من نصيب الأسطول الذي لا يمتلك ببساطة الأسلحة الأكثر تطوراً، بل الأسطول القادر على امتصاص الهجمات، والحفاظ على قوته النارية، ومواصلة القتال. ويمكن للطاقة الموجهة أن تساعد في منح بحارتنا هذه الأفضلية. وفي مواجهة بحرية طويلة الأمد، فإن القدرة على التحمل هي القوة القتالية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»

*أميرال ومهندس أميركي ورئيس العمليات البحرية منذ عام 2025.
 



إقرأ المزيد