القوى العالمية.. ومعركة المعادن الحيوية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 تدور معركة محتدمة بين الصين والغرب حول «المعادن الحيوية». فبكين تسيطر على عمليات فصل هذه المعادن وتنقيتها وتحويلها إلى معادن، وكذلك على إنتاج المغناطيسات التي تحوّلها إلى مدخلات تكنولوجية مطلوبة بشدة، ما يترك بقية العالم في سباق محموم لبناء البنية التحتية اللازمة.
لكن بدلاً من أن تتعاون الولايات المتحدة وأوروبا لتقليص قبضة الصين على سلاسل إمداد المعادن الحيوية، فإنهما تتنافسان فيما بينهما على الأصول النادرة نفسها.
وتتراجع أوروبا في هذه المنافسة، رغم امتلاكها رأس المال والطلب الاستهلاكي والخبرات العلمية اللازمة لبناء قطاع قوي للمعادن الحيوية.
لكن الاتحاد الأوروبي يتعثر عندما يحاول دعم هذا القطاع من خلال السياسات.
فقد أعلن الاتحاد مبادرات طموحة، مثل «قانون المواد الخام الحرجة»، الذي يستهدف تأمين سلاسل إمداد أوروبا من المعادن الحيوية.
غير أن بيروقراطية الاتحاد الأوروبي تُعرقل الابتكار. فالمفوضية الأوروبية تقترح، والبرلمان الأوروبي يعدّل، والمجلس الأوروبي يخفف من حدّة المقترحات، ثم تنفّذها 27 حكومة بسرعات مختلفة وأولويات متباينة.
وفي النهاية، تصبح المسؤولية عن تطوير سلاسل قوية لإمدادات المعادن الحيوية موزّعة على عدد كبير من الجهات إلى درجة تؤدي إلى «عدم إنشائها من الأساس».

تستفيد الولايات المتحدة من عدم كفاءة الاتحاد الأوروبي، ففي أبريل، وافقت شركة «USA Rare Earth» الأميركية، ومقرّها أوكلاهوما، على الاستحواذ على حصة في شركة «Carester» الفرنسية المتخصّصة في فصل وتنقية العناصر الأرضية النادرة.

وفي يونيو، أعلنت شركة «Energy Fuels» الأميركية، ومقرّها كولورادو، أنها ستنفق «1.9 مليار دولار» للاستحواذ على شركة «Vacuumschmelze» الألمانية، وهي واحدة من أهم منتجي المغناطيسات في أوروبا.
وخارج الاتحاد الأوروبي، استحوذت USA Rare Earth على شركة Less Common Metals البريطانية، وهي واحدة من الشركات الكبرى القليلة المنتجة للمعادن والسبائك الأرضية النادرة التي لا تملكها الصين.
وبدلاً من التنسيق مع أوروبا لمنافسة بكين، تقوم الشركات الأميركية بالاستحواذ على القدرات الصناعية الأوروبية المرتبطة بالمعادن الحيوية.
لكي تتمكن أوروبا من مواكبة الولايات المتحدة، سيتعين عليها الاستثمار في مشروعات التعدين منذ مرحلة الاستكشاف، وقبل أن تؤدّي ترتيبات التمويل واتفاقات شراء الإنتاج إلى توجيه المعادن نحو سلاسل إمداد منافسة.
وعلى خلاف السلع الأساسية مثل خام الحديد أو الفحم، غالباً ما يتم التفاوض على ملكية المعادن الحيوية الموجودة في المنجم قبل «ثلاث إلى خمس سنوات من بدء الإنتاج التجاري».
وبحلول الوقت الذي يبدأ فيه المنجم الإنتاج، قد تكون المعركة الاستراتيجية على إنتاجه «قد حُسمت بالفعل».
لقد أدى فشل أوروبا في الاستثمار بالسرعة المطلوبة إلى استبعادها بالفعل من موارد البرازيل الضخمة من العناصر الأرضية النادرة.
تمتلك البرازيل «أكبر احتياطيات من العناصر الأرضية النادرة خارج الصين»، لكن أياً من المشروعات العشرين الجاري تطويرها لا يخضع لسيطرة أوروبية، وفقاً لتحليل لبيانات الاقتصاد البرازيلي.
ويمتلك معظم هذه المشروعات مستثمرون من الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. وفي أبريل، استحوذت USA Rare Earth على شركة التعدين البرازيلية «Serra Verde» مقابل 2.8 مليار دولار، وهي الشركة الوحيدة خارج آسيا التي تنتج على نطاق واسع العناصر الأربعة الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة المغناطيسات.
وبذلك أصبحت واحدة من أهم مصادر العناصر الأرضية النادرة تحت «الملكية الأميركية»، بينما تغيب شركات التعدين الأوروبية والخبرات العلمية ورؤوس الأموال الأوروبية عن المشهد تقريباً.
يدرك الاتحاد الأوروبي المشكلة، لكن برنامجه الرئيسي لتسريع المشروعات لا يعمل على الوجه المطلوب. وبموجب «قانون المواد الخام الحرجة»، يستطيع الاتحاد منح صفة «استراتيجية» للمشروعات التي يعتبرها الأكثر أهمية لأمن إمدادات أوروبا. ومن المفترض أن تساعد هذه الصفة على تسريع تنفيذ المشروعات، وقد مُنحت سريعاً لـ «60 مشروعاً». لكنها لا توفر وصولاً فعلياً إلى رأس المال، وإنما تقدم فقط «نصائح» بشأن التمويل.
ومن بين المشروعات الاستراتيجية الستين الأولى، تأخر «14 مشروعاً» عن الجدول الزمني بسبب نقص التمويل.
قد يبدو أن تعثّر أوروبا يمثّل انتصاراً للولايات المتحدة، أليس كذلك؟ فالحليف الذي يسمح بتآكل قاعدته الصناعية في مجالات التكرير وإنتاج السبائك وتصنيع المغناطيسات يصبح شريكاً اقتصادياً أقل قدرة. وعندها يتعين على الولايات المتحدة تحمُّل عبء أكبر لكسر قبضة الصين على سلاسل الإمداد الغربية. إن استراتيجية تدفع الولايات المتحدة وأوروبا إلى التنافس على الأصول النادرة نفسها «لن تحقق لأي منهما المرونة المطلوبة في مواجهة بكين».
الولايات المتحدة لا تقلُّ حاجة إلى الانضباط عن أوروبا. فمليارات الدولارات من الاستثمارات الأميركية تتدفق إلى المناجم ومخزونات المعادن ومصافي التكرير ومصانع المغناطيسات في أنحاء العالم، من دون استراتيجية متماسكة.
وتخاطر واشنطن بالاستثمار المفرط في بعض أسواق المعادن والاستثمار بأقل من المطلوب في أسواق أخرى، لأنها لم تحدد بعد أولويات واضحة بما يكفي.
لكن الحل ليس إنشاء منظمة بيروقراطية أخرى عبر الأطلسي. وبدلاً من ذلك، ينبغي إعطاء اتفاق المعادن الحيوية، الذي وقّع عليه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في أبريل، ذراعاً تنفيذية صغيرة تتمتع بصلاحية العمل على مستوى المشروعات. وتكون مهمتها اختيار الاستثمارات ذات الأولوية، وتنسيق التمويل بين المؤسسات التابعة للحلفاء. وينبغي أن تكون صلاحيات هذه الذراع محدودة عمداً، وأن تكون محمية من الاضطرابات السياسية التي طبعت العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة.
قد تختلف أوروبا والولايات المتحدة وإدارة ترامب بشأن القيم والتعريفات الجمركية والأمن، لكن الطرفين لديهما مصلحة استراتيجية مشتركة في تقليل الاعتماد على الصين في مجال المعادن الحيوية.
إن أعظم فرصة استراتيجية أمام الولايات المتحدة في مجال المعادن الحيوية لا توجد في منجم بعينه. إنها تكمن في علاقة أميركا بأوروبا.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
* أستاذ مساعد في كلية نوفا للأعمال والاقتصاد في البرتغال.



إقرأ المزيد