مزارعو بريطانيا.. حتمية التكيف مع الاحترار
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في جنوب شرق إنجلترا، يواجه آلاف المزارعين مشكلة تؤرّقهم، وهي نقص الأمطار الصيفية. ففي مقاطعة كِنت، المعروفة باسم «حديقة إنجلترا»، حوّل أحد أكثر فصول الصيف جفافاً في تاريخ المملكة المتحدة الحقول إلى أراضٍ قاحلة. وفي بعض المزارع الشاسعة، استمر الجفاف أكثر من 40 يوماً، ما أدّى إلى انخفاض المحاصيل بشدة، وانتهاء موسم بعضها قبل موعده المعتاد بشهر.

وبينما كانت الزراعة في الماضي تتيح كسب المال بمجرد إنتاج محاصيل جيدة أو تربية الماشية، لم يَعُد ذلك مضموناً مع تغير الظروف المناخية. وتُجبر ظاهرة تكرار فصول الصيف الحارة والجافة المزارعين والحكومات على التعامل مع ما يبدو أنه واقع مناخي جديد. فقد شهد جزء كبير من أوروبا القارية أكثر فصول الصيف حرارة وجفافاً في الذاكرة الحديثة.

وتقول سامانثا بورغس، مسؤولة المناخ في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، إن تغيُّر المناخ انتقل من مشكلة إحصائية مجردة إلى واقع مقلق يعطل الحياة اليومية، مستشهدةً بإغلاق المدارس، وتضرُّر خطوط السكك الحديدية، وانتشار حرائق الغابات، وفرض قيود على استخدام المياه، وإيقاف مفاعلات نووية، وتحذير الأشخاص من مغادرة منازلهم. وتؤكد أن موجات الحَر ستصبح أكثر شدة وأطول أمداً.

ويرى المزارعون أن الأوضاع أصبحت أكثر صعوبة، لذلك يحاولون التكيف من خلال تهجين أصناف من القمح قد تتحمل الجفاف بصورة أفضل، لكن استنباط أصناف جديدة وتحرير الجينات ليسا حلاً سريعاً، فقد يستغرق نقل صفة وراثية من سلالة برية إلى محصول تجاري نحو 30 عاماً. لذلك، قد يكون الحل الأسرع هو زيادة سعة تخزين المياه خلال فترات الأمطار من العام. ويقول جيم موناهان، أستاذ علوم المحاصيل في جامعة هاربر آدامز البريطانية، إن تغير المناخ يجلب أيضاً فصول شتاء أكثر رطوبة، ولذلك يجب جمع مياه الأمطار وتخزينها بكفاءة، ثم استخدامها بكفاءة خلال الصيف.

ويحتاج العديد من المزارعين إلى خزانات للحفاظ على مياه الأمطار خلال الشتاء، لاسيما لري المحاصيل الربيعية كالشعير والفاصوليا التي عانت بشدة العام الحالي.

لكنهم يقولون إن إنشاء الخزانات يواجه إجراءات معقّدة تتعلق بالتخطيط والتراخيص والمراقبة، وقد يكلّف عشرات الآلاف من الجنيهات، مما يجعله مخاطرة كبيرة للمزارعين. وخلال ذروة الجفاف، أعلنت الحكومة البريطانية حزمة مساعدات بقيمة 65 مليون جنيه إسترليني، أي 88 مليون دولار، ووعدت بتسهيل إنشاء خزانات المياه في المزارع. لكن المزارعين يشكّكون في مدى تأثير هذه الخطوة، ويقولون إن الخزانات ستوفر مياهاً للري وللماشية، لكنها لن تجعل العشب ينمو خلال فترات الجفاف الشديد. وبالنسبة لإمدادات المياه العامة، فتعتزم الحكومة بناء تسعة خزانات مياه رئيسية جديدة، وهي الأولى من نوعها منذ أكثر من ثلاثة عقود، لكن إنشاءها وتشغيلها سيستغرق سنوات.

وإذا أصبح الجفاف والحرارة الشديدة واقعاً معتاداً في بريطانيا، فسيتعين تغيير تعاملها مع المياه. فبعد أن اعتادت بريطانيا الشكوى من وفرة الأمطار، بدأت الآن تدرك عواقب نقص المياه، فقد حذّرت وكالة البيئة من أن الطلب على المياه أصبح مرتفعاً بصورة غير مسبوقة، بينما تحتاج الطبيعة والبيئة إلى المياه للتكيف مع المناخ المتغير. ودعت الوكالة شركات المياه إلى خفض التسربات، التي تُقدّر بنحو 2.8 مليار لتر يومياً، وتشجيع الأُسر والشركات على ترشيد استهلاك المياه، إلى جانب تطوير مصادر جديدة مثل إعادة تدوير المياه وتحلية المياه وإنشاء خزانات جديدة.

وحذّرت من أن عدم اتخاذ إجراءات عاجلة سيؤدي إلى نقص حاد في إمدادات المياه مستقبلاً. ويرى المزارعون أن المجتمع بدأ يدرك متأخراً مشكلة يعرفونها منذ سنوات، حيث إن تكرار حالات الجفاف سيؤدي إلى مشكلات خطيرة، بينما لم تَعُد قدرة البلاد على تخزين المياه تتناسب مع النمو السكاني والطلب المتزايد عليها.

ويحدّد البروفيسور موناهان، مدير مركز علوم المحاصيل والبيئة في جامعة هاربر آدامز، الحلول في ثلاث مراحل: إدارة المياه على المدى القصير، واعتماد أصناف نباتية أكثر قدرة على تحمل الجفاف على المدى المتوسط، ومشروعات البنية التحتية الكبرى للمياه واستنباط أصناف المحاصيل بدقة على المدى الطويل.لكن بعض المزارعين يتخذون مساراً مختلفاً، وهو تنويع مصادر الدخل بعيداً عن إنتاج الغذاء.

فقد أقام بعض المزارعين مشروعاً للطاقة الشمسية على مساحة 40 فداناً، ويحصلون على منح حكومية لإعادة أجزاء من أراضيهم إلى الطبيعة، ويدرسون زراعة محاصيل مقاومة للجفاف لاستخدامها في إنتاج الطاقة داخل الهاضمات اللاهوائية. كما يؤجِّرون مباني المزرعة لشركات تحتاج إلى مستودعات، وهو ما يوفر لهم دخلًا سنوياً إضافياً.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

*صحفي ومحرر بريطاني
 



إقرأ المزيد