الرابح الوحيد من الحرب التجارية ضد كندا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لا شكّ في أن الصين هي أكثر مَن يراقب الحربَ التجارية الشاملة بين الولايات المتحدة وكندا. وإذا لم تُغير واشنطن مسارَها، فمن المرجّح أن تكون بكين هي الرابح أيضاً.
وتتمتع الصين بنفوذ احتكاري على مكونات حيوية لمئات الآلاف من الوظائف في أميركا وكندا. وقد أدت القيود التي فرضتها، في أبريل 2025، على مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة إلى إغلاق مصنع «فورد إكسبلورر» في شيكاغو مؤقتاً.

وفي أونتاريو، خفضت شركة «هوندا» إنتاجَ سيارات «سيفيك» و«سي آر-في» لفترة، ثم أوقفته تماماً، بعد أن قطعت الصينُ عنها إمدادات أشباه الموصلات.
وكان ينبغي أن يدفع ذلك الحلفاءَ إلى التكاتف، ففي الظروف الطبيعية، كانت واشنطن وأوتاوا ستركّزان على حجم وسرعة التصنيع المشترك اللازمين لمنع هذا النوع من الإكراه الاقتصادي الصيني. إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب صوّر خلافَه مع كندا كصراع على حجم الصناعات التحويلية التي ينبغي لكندا أن تتنازل عنها للولايات المتحدة، وهو يريد أغلبها.
ورفض رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أحدثَ عروض ترامب، ثم صعّد المواجهةَ بفرض رسوم جمركية جديدة. وقد وصفتها نائبة رئيس الوزراء السابقة كريستيا فريلاند بأنها «صفقة سيئة حتى للولايات المتحدة». 
ولا يمكن لترامب السماح لكندا بالانسحاب من المفاوضات. فواشنطن بحاجة إلى قطاع تصنيع كندي مرن، يعمل مع الشركات الأميركية، في المعركة الأكبر ضد سيطرة الصين على الأسواق.
ورفضت أوتاوا العرضَ الأميركي جزئياً لأنه أبقى على رسوم مرتفعة على السيارات الكندية والشاحنات الثقيلة والصلب والألومنيوم. ومع استمرار هذه الرسوم، قد يتوقف الأميركيون عن شراء السيارات المُجمعة في كندا، فيما تعيد ديترويت ترتيب سلاسل إمداداتها لاستبعاد المكونات الكندية.
وسيؤدي فقدان السوق الأميركية إلى تدمير صناعة السيارات الكندية، فكندا ليست قريبة بما يكفي من آسيا أو أوروبا، بما يسمح لها بالبقاء جزءاً من سلاسل إمدادهما. ويمكن توقّع ما سيحدث بالاستناد إلى تجربة أستراليا. فبحلول عام 2017، أغلقت «تويوتا» و«جنرال موتورز» و«فورد» آخر مصانعها هناك. فالسوق الأسترالي، الصغير في حجمه والبعيد جغرافياً، لا يسمح بتوفير التصنيع القادر على المنافسة عالمياً.
 وبدأ الأستراليون بعد ذلك في استيراد السيارات من مراكز التصنيع في اليابان وكوريا وتايلاند. وبعد أقل من عقد، أصبحت الصين مصدراً رئيسياً. ويرجّح أن يسلك المستهلكون الكنديون الطريقَ نفسَه. ففي يناير، أعلن كارني أن كندا ستسمح ببيع 49 ألف سيارة كهربائية صينية، أي أقل من 3% من مبيعات السيارات الجديدة، مع زيادة العدد تدريجياً، حيث يمكن أن يؤدي أي قرار بفتح السوق الكندية إلى زيادة كبيرة في الواردات الصينية.
ويعتبر ذلك بديهياً في مبادئ الاقتصاد، فمن الأسهل سياسياً تبرير شراء سيارات أغلى ثمناً من الولايات المتحدة عندما تكون هناك فوائد معاكسة للاقتصاد الوطني، مثل توفير فرص عمل وأرباح للمورّدين، وتنمية المجتمعات حول المصانع. وإذا اختفى التصنيع المحلي، فستختفي معه أسبابُ قبول الكنديين دفع أسعار أعلى. 
وسيكون فقدان العملاء الكنديين لصالح الصين سيئاً لأميركا، وذلك لسببين:
 أولاً: إن عدد المشترين الإجمالي بالغ الأهمية لقطاعات مثل السيارات، التي تتطلب تكاليف ثابتة مرتفعة وتواجه حواجز أمام دخول منافسين جُدد. ويمثّل فقدان مشتري السيارات الكنديين خطوةً إضافيةً نحو تنازل الصين عن هيمنة صناعة السيارات العالمية. وحالياً تبيع الشركات الصينيةُ سياراتٍ منخفضةَ الأسعار، لكن الصين قد تستخدم مستقبلًا قوّتها الاحتكاريةَ الجديدةَ كسلاح. وتزداد حصة الصين في أسواق الصلب والألومنيوم وبناء السفن ومعدات الاتصالات. وخلص تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن 60% من مكاسب الصين في حصتها من الأسواق العالمية منذ 2005 يمكن إرجاعها إلى دعم الصناعات بإعانات سخية.ثانياً: قد يؤدي فقدانُ القاعدة التجارية الكندية إلى خسارة واشنطن حليفاِ اقتصادياً مهماً. فقبل رسوم ترامب على كندا، عام 2025، كانت أوتاوا تفرض رسوماً مماثلةً للرسوم الأميركية على السيارات الكهربائية الصينية والصلب والألومنيوم. أما الآن، فأصبح الكنديون يفكرون في الابتعاد عن أميركا بدلاً من التعاون معها للحدّ من النفوذ الصيني.
ولمواجهة الحرب التجارية مع الصين، يجب أن يواصل المستهلكون الكنديون اختيارَ المنتجات المصنوعة في أميركا الشمالية، رغم انخفاض أسعار البدائل الصينية. وتحتاج واشنطن إلى قبول الكنديين بتكاليف قطاع تصنيع متكامل مع الولايات المتحدة. وعلى ترامب أن يخفف مطالبَه بشأن «صُنع في أميركا»، إذ لا يمكنه القضاء على التصنيع الكندي ثم يتوقع الاحتفاظ بالسوق الكندية.
ولمواجهة المنافَسة الصينية، يحتاج الغربُ إلى قوة تصنيعية أكبر مما يستطيع حتى اقتصادُ أميركا الشمالية المتكامل توفيرَه. لذا، يجب على واشنطن حشد جميع حلفائها التجاريين المحتملين، فيما ينتظر هؤلاء الحلفاء معرفة ما إذا كان ترامب سيجد مخرجاً من حربه التجارية الخاطئة قبل فوات الأوان.

 

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

*زميل أول في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، ومؤلف كتاب «كيف تربح الحرب التجارية؟»



إقرأ المزيد