كرة القدم تبكي رحيله
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ليست كل لحظة وداع عابرة، وليست كل مغادرة قابلة للنسيان. هناك رحيل يطوي صفحة، ورحيل يترك الصفحة مفتوحة لأن الكلمات التي تليق به لم تُكتب بعد. 
واليوم، ونحن نرى ليونيل ميسي يخلع قميص الأرجنتين للمرة الأخيرة، نشعر أن كرة القدم نفسها فقدت شيئاً من روحها. يرحل ميسي عن «الألبيسيليستي» ويترك كرة القدم تبكي وبحُرقة.
تبكي لأن الرجل الذي جعل الكرة تبدو كأنها خُلقت لتسكن قدمه اليسرى، اختار أن يضع حداً للحكاية الدولية. تبكي لأن الملاعب ستفتقد تلك اللحظة التي كان فيها ميسي يتلقّى الكرة، فيتوقف الزمن لثوانٍ، وتتوقف معه قلوب الملايين، قبل أن يبدأ تدفق السحر.
لم يكن ميسي مجرد لاعب في منتخب الأرجنتين. كان حلماً مؤجلاً، وجرحاً قديماً، وذاكرة شعب ظل ينتظر سنوات طويلة عودة المجد الذي بناه الأسطورة مارادونا. كان ذلك الفتى القادم من روساريو، الذي حمل الرقم 10، وحمل معه أيضاً أثقال المقارنة، ومرارة الخسارات، وقسوة السؤال: لماذا لا يفوز ميسي مع الأرجنتين؟
كم كان السؤال ظالماً! فميسي لم يكن مطالباً بأن يكون لاعباً عظيماً فقط، بل كان مطالباً بأن يكون مارادونا آخر، أن يحمل بلداً بأكمله فوق كتفيه ويمضي إلى الشمس.
سقط مرة، ومرتين، وثلاثاً… لكنه لم ينكسر.
وحين جاءت لحظة الإنصاف، جاءت كاملة. كوبا أميركا، ثم كأس العالم، وكأن كرة القدم قررت أخيراً أن ترد الدين لرجل منحها من عمره أجمل ما فيه ومن سحره أثمن ما فيه.
في قطر، لم يكن ميسي يرفع كأس العالم وحده. كان يرفع معه سنوات الانتظار، ودموع الخسارة، وصرخات الذين آمنوا به حتى النهاية. كان يرفع الكأس التي احتاجتها الأسطورة لتكتمل، لا الأسطورة التي احتاجت إلى الكأس كي تولد. واليوم عندما يغادر، نسأل برجفة: كيف يمكن للاعب مثل ميسي أن يغادر حقاً؟
الأرقام ستبقى شاهدة، والألقاب ستبقى معلقة في خزائن الذاكرة، والصور ستبقى تحفظ تلك الابتسامة التي طالما سبقت الفرح. لكن الأهم من كل ذلك أن ميسي ترك في كرة القدم شيئاً لا يمكن قياسه.
ترك الدهشة. ترك لنا ذلك الشعور النادر بأننا كنا محظوظين لأننا عشنا في زمنه.
حتماً، سيأتي بعد «البرغوت» لاعبون عظماء، وربما يولد من يقترب من أرقامه، وربما يظهر من ينافس إرثه. لكن ميسي لم ولن يكون نسخة قابلة للاستنساخ.
بعض اللاعبين يعوّضهم الزمن.. وبعضهم لا يعوّضهم أحداً.. وميسي من أولئك الذين لا يغادرون حين يرحلون.
يبقى في الذاكرة، في المدرجات، في الحكايات، وفي كل طفل يمسك الكرة ويحاول أن يقلّد مشيته، مراوغاته، واحتفاله أو أن يشعر بفرح أسطوري وهو يرتدي قميصه.
لقد أطفأ ميسي أنوار المسرح الدولي، نعم.. لكن المسرح لن ينسى صاحبه.
وداعاً يا «بولغا»… لقد نزعت عنك قميص الأرجنتين، وتركت كرة القدم تبكي على كتفك.



إقرأ المزيد