جريدة الإتحاد - 9/3/2026 12:27:55 AM - GMT (+4 )
بعد ستة أشهر من الحرب، لم تصل المواجهة الأميركية الإيرانية إلى حسم سياسي. الضربات أضعفت قدرات طهران، والمفاوضات انتهت إلى مذكرة تفاهم لم تصمد، وبقي الخلاف حول مضيق هرمز. ومع استمرار الجمود، نقلت إدارة الرئيس دونالد ترامب مركز الثقل إلى الاقتصاد، معلنةً عن حملة تستهدف عزلَ إيران مالياً وتقييدَ قدرتها المالية الأساسية والاحتفاظ ببقية أوراق الضغط الأخرى.
عملية «الإقصاء الاقتصادي» التي أطلقتها واشنطن، في 24 أغسطس، وسّعت نطاقَ العقوبات الأميركية على إيران والجهات التي تساعدها خارج حدودها. وشملت الإجراءاتُ قنواتٍ ماليةً وتجاريةً تمتد من الأصول الرقمية والذهب إلى الشحن، مع مواصلة استهداف القطاعين المالي والنفطي. الرهان على إغلاق المسارات التي سمحت لطهران طوال عقود بالالتفاف على العقوبات والحد من أثرها، ورفع كلفة كل وسيط أو مؤسسة تتيح لها الوصول إلى الأسواق والتمويل.
العامل الحاسم في المعركة هو الزمن. إيران اعتادت استخدامَه ورقةَ تفاوض، وراهنت خلال الأشهر الماضية على اضطراب هرمز وارتفاع أسعار الطاقة واقتراب الانتخابات النصفية الأميركية. إدارة ترامب تحاول قلبَ المعادلة بحيث يصبح كل أسبوع أكثر كلفة على طهران اقتصادياً. الضرر الاقتصادي واقع، وما يحدّد أثرَه السياسي هو المدةُ التي يستطيع خلالها النظام الإيراني تحمّل تبعاته قبل إعادة حساباته.
وتكشف أرقامُ طهران اتساعَ أثر الأزمة على النشاط التجاري والأوضاع المعيشية للإيرانيين، حيث أقر الرئيس مسعود بزشكيان بتراجع التجارة الخارجية بنحو 35%. وتشير تقديراتٌ دولية إلى انكماش في الناتج وارتفاع في التضخم. وفي مراكز القرار، يدور نقاش بين مَن يرى التفاوض طريقاً ضرورياً لوقف الاستنزاف، ومَن يتمسك بأوراق القوة. ومع استمرار التدهور، ستضيق أمام النظام مساحةُ المناورة بين تقديم تنازلات سياسية أو مواجهة تداعيات تمس استقرارَه. ولا يزال الحرس الثوري الإيراني يحتفظ في مضيق هرمز بأدوات لرفع مخاطر العبور، من الصواريخ والمسيّرات إلى الألغام والقوارب الصغيرة، من دون أن يمنحه ذلك حق تقرير فتح ممر دولي أو إغلاقه.
وأكدت الضربات الأميركية الأخيرة، التي استهدفت مواقعَ وقدراتٍ تابعةً له، أن واشنطن لم تستبدل القوة العسكرية بالعقوبات.. فالحملة الاقتصادية تقدمت إلى الواجهة، وبقي الخيارُ العسكري حاضراً في الخلفية، ضمن مقاربة تجمع العزلَ والحصارَ البحري والضربات المحدودة للحدّ من قدرة النظام على تهديد أمن الملاحة البحرية. تضييق القنوات الخارجية التي تعتمد عليها طهران سيحدّد مدى قدرة الحصار على بلوغ أهدافه. الصين هي السوق الأهم للنفط الإيراني، فيما تمنح العلاقاتُ مع روسيا خياراتٍ إضافيةً. وجاء حضور وزير المالية الروسي اجتماعَ مجموعة العشرين في آشفيل، بالتزامن مع اتساع التحرك الدولي لتشديد الضغط الاقتصادي على إيران، وسط تأييد أوروبي لعقوبات أوسع.
وإذا استطاعت الإدارة الأميركية تشديد القيود على شبكات الالتفاف من دون مواجهة مالية واسعة مع بكين، فسيعمّق ذلك من آثار سياسة العزل الاقتصادي بحق إيران. وجاءت الإجراءات الإماراتية متناسبةً مع الاعتداءات الإيرانية التي طالت دولَ الخليج كافة، ومع مقتضيات المصلحة الوطنية، وصولاً إلى تعليق التجارة والمعاملات المالية.
وجمع الموقفُ الإماراتي بين الحزم تجاه السلوك العدواني وإبقاء باب التسوية السياسية موارباً. وتؤكد ستة اتصالات هاتفية بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ 28 فبراير، إلى جانب التواصل المتزامن على مستوى الأمن الوطني، عمق التنسيق بين أبوظبي وواشنطن طوال مراحل الأزمة. الضغوط المتصاعدةُ قد تدفع طهران نحو التفاوض، أو إلى محاولة كسر الحصار بالتصعيد في الممرات البحرية أو ضد أهداف أميركية وخليجية. حملةٌ عسكريةٌ أميركيةٌ محدودةٌ قد تعجز عن تحقيق الأهداف السياسية، لكن توسيعَها قد يقود إلى مواجهة أشمل تحاول واشنطن تجنبَها.
ويبقى التحدي أمام ترامب في إنهاء الحرب بشروط يستطيع تقديمَها للرأي العام الأميركي باعتبارها انتصاراً. أخطأ النظامُ الإيراني حين نقل صدامَه مع الولايات المتحدة إلى دول الخليج والأردن، فعمّق عزلتَه وخسر ما تبقّى من مساحة سياسية مع جيرانه.. وحالة اللاحرب واللاسلم تُبقي أسبابَ جولة جديدة قائمةً، والخروج منها يبدأ بوقف استهداف الخليج والانتقال إلى تسوية تحترم أمنَ دوله.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


