جريدة الإتحاد - 9/4/2026 11:50:48 PM - GMT (+4 )
تواتر بصورة لافتة استطلاعات الرأي العام في إسرائيل، وبصرف النظر عن مصداقيتها، حول التأكيد على صعود نجم «غادي آيزنكوت» رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب «يشار»، الذي يُتوقع له أن يتَقدم الصفوفَ في مواجهة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو. ويشير ذلك إلى أن ظاهرة العسكريين باتت تفرض نفسها في الواقع السياسي الإسرائيلي، ربما سعياً إلى إعادة الدولة الإسرائيلية بصورة معلنة إلى حكم العسكريين لتقرير مصيرها في السنوات المقبلة، خاصة أن إسرائيل تشهد حراكاً شعبياً كبيراً وممتداً، يحتاج إلى رصد المتغيرات الراهنة داخل مجتمع يبدو في شكله العام متماسكاً خلف قيادته الراهنة، وفي جوهره يعاني من عجز وفشل في إنتاج قيادات جديدة خارج السياق العسكري، ما قد يعطي دلالات بأن الشخصيات المدنية لا تحظي فعلياً بأي دور حقيقي أو دعم مباشر، بل إن رئيس المعارضة يائير لابيد يتم النظر إليه على أنه صحفي غير مؤهل لحكم البلاد، ولم تضعه استطلاعات الرأي في مقدمة الصفوف الراهنة. ويعني ذلك أن إسرائيل قد تكون على موعد مع قيادات عسكرية صاعدة ممثلةً في الجنرال آيزنكوت وبيني جانتس، مع إعطاء الفرصة لقيادات عسكرية أخرى توجد في الصف الثاني داخل بعض الأحزاب، مما يؤكد أن المجتمع الإسرائيلي سيعمل في الانتخابات المقبلة على الدفع بقيادات جديدة بعيداً عن المشهد الراهن أو سيطرة رئيس الوزراء الحالي نتنياهو الطامح لتسميته «ملك إسرائيل الدائم»، وهو أمر يمكن تفسيره بحنكة نتنياهو الشخصية، الأمر الذي دفع إسرائيلَ إلى كثير من المغامرات الخارجية، كما أذكى حالة الذعر التي عمت المجتمع الإسرائيلي بعد أحداث 7 أكتوبر، والتي لا تزال تعلن عن نفسها بقوة فيما يجري.
وفي سياق هذه التطورات يتجه المواطن الإسرائيلي إلى العودة لأصول ما كان يجري ومنح الثقة مجدداً للعسكريين، ولهذا فرضت القوة العسكرية واقعاً جديداً في دول الجوار، مع التخطيط للحفاظ على بقاء إسرائيل دولةً في المنطقة لـ100 عام مقبلة، وسط جوار إقليمي غير مستقر، الأمر الذي يدفع لاختيار قيادات جديدة لإدارة الأوضاع في المستقبل بمدييه القريب والبعيد. وفي تقدير مَن يخطط أن إسرائيل لن تستمر في حالة من الحرب المفتوحة مع كل الأطراف، وأن عليها أن تتفرغ لاستكمال بناء قدراتها، خاصة مع تزايد معدلات الهجرة المضادة، وتأثر واقعها الاقتصادي وغياب الموجه الذي يرسم السياسات العامة، وينقل البلاد إلى واقع جديد ومختلف لدولة ظلّت تعيش على الخطط الاستراتيجية، كما كانت تفعل في سنوات سابقة، وعبر خطط شاملة معلومة ومنها خطتا 2020 و2028 إضافة إلى خطة «إسرائيل 2050» والتي وضعها كبار الساسة والاقتصاديين والعسكريين.
ويعني ذلك أن إسرائيل، وهي في طريقها إلى انتخاباتها البرلمانية المقبلة، ستعمل على تغيير قياداتها مع بقاء بعض الشخصيات الراهنة، وفي إطار بناء حكومة مختلفة خارج ما بات يدعو إليه نتنياهو من تشكيل حكومة وحدة وطنية.
وكل هذا يؤكد أن إسرائيل تريد التغيير، وأن استطلاعات الرأي تدفع لهذا الأمر بل وتعمل عليه بصورة كبيرة، خاصة أن إعادة تشكيل حكومة جديدة بصرف النظر عن من سيرأسها، سواء أكان آيزنكوت أو جانتس، سيكون عليها الاحتكام إلى قيادة عسكرية قادرة على المضي قدماً فيما يعرف بالترتيبات الأمنية واستكمال تطوير القدرات في مواجهة التحديات والمخاطر التي تمثلها إيران، وفي مواجهة أي تصاعد لاحق لوكلائها الإقليميين، مما يتطلب سرعةَ التعاطي وفق استراتيجية الحسم وليس الاستمرار في تبني سياسة إدارة الصراع.
إن القيادة الجديدة لإسرائيل سيكون عليها إعادة لم الشمل الداخلي، والمضي في سيناريو فرض «المناعة الوطنية» التي دعا إليها الرئيس إسحق هرتسوج تخوفاً من حرب أهلية، مع فرض خيار الاستقرار، بما في ذلك حسم مسألة المتدينين وعدم السماح بتمدد مشكلاتهم داخل المجتمع، في ظل واقع أليم تعيشه إسرائيل رغم ما يبدو من قوة التعامل مع المحيط الإقليمي، علاوةً على وجود مخاوف من تبدل المزاج الأميركي حيال إسرائيل كحليف استراتيجي.
إن حنين المجتمع الإسرائيلي المتشتت والمرتبك إلى قيادات عسكرية سيظل قائماً ومطروحاً بقوة، خاصة أن قادةً في مواقع عدة داخل مؤسسات القوة يرون أن إسرائيل جديرة بقيادات أخرى، لاعتبارات تتعلق ببقائها دولةً متقدمةً بين الأمم، وهو ما سيتطلب حضوراً للقيادات العسكرية، وليس للساسة الهواة الذين لا يملكون خبرات حقيقية لمواجهة التهديدات المستجدة.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية
إقرأ المزيد


