جريدة الإتحاد - 9/5/2026 3:21:16 PM - GMT (+4 )
منذ أن بدأت الحرب الحالية في الخليج العربي بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جانب، وإيران على الجانب الآخر، وميزان القوة في المنطقة آخذ في التغير السريع لمصلحة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مجتمعةً، وفي غير صالح إيران التي فقدت حتى الآن الكثير من مصادر قوتها على الصعيدين العسكري والاقتصادي، نتيجة للتدمير الذي لحق بها جراء الحرب، وما هو آخذ في التمخض عنها من نتائج.
إن الحديث عن توازن القوة ذو شجون، ويحمل في مضامينه عدداً من الأسئلة التي أهمّها: ما هو توازن القوة هذا الذي نتحدث عنه؟ وما هي القوة؟ وما هو مضمون توازن القوة بين دول المجلس الست مجتمعةً من جانب، وإيران من جانب آخر؟ وفي مجموعة المقالات هذه سنقوم بالإجابة عن هذه الأسئلة على أمل من إيصال الفكرة متكاملةً حول ميزان القوة في الخليج العربي.
توازن القوة هو أقدم مقولة معروفة لدى علم السياسة في شقه المتعلق بدراسة العلاقات الدولية، وهي مقولة تعود إلى ما وراء أعمال الفلاسفة الإغريق القدماء من أمثال ثيوسيد ديدس وأفلاطون وسقراط وغيرهم. وهي مرتبطة عن قرب بكل من مقولتَي المحادثات الدبلوماسية والواقعية السياسية.
والمنطق الخاص بتوازن القوة ينحدر من حتمية الدفاع عن الذات ومساعدتها على ذلك ضِمن بنية «فوضى» النظام الدولي. ووفقاً لهذه الفكرة فالدول الوطنية مُلزمة بإعطاء أولوية لبقائها واستمراريتها وأمنها الوطني، واضعةً ذلك فوق جميع الاعتبارات الأخرى.
وضمن السعي نحو ذلك الهدف، وفقاً لهذا المنطق، فالدول الوطنية عادة ما تتقارب مع بعضها بعضاً لمعارضة أي توسع في القوة، التي من شأنها أن تشكّل تهديداً ضدها من قبل دولة معادية تسعى إلى الهيمنة على النظام الإقليمي القائم، وبالتالي المساس بسيادتها وأسباب وجودها.
وبذلك، فإن سلوك توازن القوة هو محدِّد مركزي في المقولات الخاصة بالمصالح الوطنية وسياسات التحالف. وإذا ما كانت سياسات التحالف ناجحة، فهي تحفظ الدول المنفردة المنضوية ضمن التحالف ذاتها، وكذلك البنى «الفوضوية» الخاصة بالنظام الدولي القائم ككل.
واستخدام مصطلح «فوضوية» هنا، هو استخدام مجازي يتعلق بالإشارة إلى نظرية سياسية تقول بأن جميع أشكال السلطة الملزمة غير مرغوب فيها.
وبالنسبة لما نرمي إليه هنا، هو القول بوجود مجتمع دولي مثالي مكون من دول عدة تتمتع بسيادتها وحريتها الكاملة التي لا سلطة عليا عليها.
ومن ناحية أخرى فإن «توازن القوّة» هو نظرية تشير إلى أن قوة دولة في أية بقعة من بقاع الأرض يجب أن تكون متساوية مع قوة الدول الأخرى الموجودة في البقعة ذاتها، وفقاً للظروف الزمنية والإقليمية التي توجد فيها، وبالتالي تمنع أية هيمنة لدولة إقليمية ما على المنطقة وتحقق السلام فيها، ومن ثم المحافظة على هذا التوازن.
والملاحظُ أن هذا النمط من توازن القوة قد حقق السلام في العالم لمدد طويلة، إذ ساد السلام العالمي ما بين عامي 1871 و1914 وفقاً لهذا المنظور، إلى أن اندلعت الحرب العالمية الأولى.
بعد تلك الحرب مرّت نظرية توازن القوة بتاريخ دبلوماسي صعب. كانت بريطانيا في تلك الفترة، هي الدولة العظمى الأكثر سيطرةً على السياسة العالمية، وقد تجنّبت الصدام المباشر مع الدول الكبرى الأخرى، خاصة ألمانيا، إلى أن حلَّ عام 1939 ونشبت الحرب العالمية الثانية.
ومنذ عام 1945 توقفت بريطانيا عن لعب دورها القديم طرفاً رئيساً في توازن القوى العالمية، واستخدمت نفوذها العالمي في بذل جهود لخلق فكرة تعدد الأقطاب الدولية المتساوية في القوة. وللحديث صلة.
إقرأ المزيد


