تجليات المحبة للصداقة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

مشاعر ندية تلك التي تشد إنسانينِ لا ينحدران من جذور والديةٍ واحدة، ولا يتماثلان إلا في توق الروح إلى فضاءات لا يحدها زمان ولا مكان. مشاعر شفيفة كالحدوس، عميقة في تجذرها، تشبه الأزل واللانهائي، تستريح في أعماقنا وتسترخي في بهو أرواحنا. وحتى في الغياب، يظل الحضور ألقاً رهيفاً كعروق الماس في نسوغ الحجر، وتشعُّ عظمته في صلابتها. وحين يوشك الحضور أن ينهض، ينهض الحنين كبرعم في بهجة الصباح، كأن الحضور صباحٌ مشرق، تُدفق النفسُ سلامها وطمأنينتها وتفيض بثرائها العميق.
الزهرة في فتنتها تصير زهرتين، واللقمة في مذاقها تصير لقمتين. الهواء الذي يمر بنا يصير أكثر طراوة ولطفاً، لأنه مرَّ بالصديق الحميم في نفس المكان. وإذا طال بنا الغياب، يصير كثيفاً في عتمته. وإذا لم نتكاتب فكأننا لم نعرف الأبجدية بعد، وإذا لم نتهاتف فكأن شبكة الهواتف -التي باتت تلف علينا نسيجها اللزج في تعاقب الليل والنهار، ونسير بها كجندي مدجج بسلاحه- لم نعرف أنظمتها الدقيقة بعد! لقد تمددت صحراء الغياب وطال بنا قفرها.
وحين يوشك اللقاء أن يتحقق، تشقُّ ينابيع المحبة طبقات الزمن والمسافات، وتشرئب حقول الشوق، إذ يصير البعد والمسافات كلها مقاس شبر واحد يفصل بين كائنين. فالزارع لا يقلق على السنديان المتجذر في غياب المطر، بينما النباتات الضعيفة الجذور تثير القلق وتشترط الرعاية والسقاية. وما تملكه الروح وتتناسج به لا نبحث عنه، بل نبحث عن ما لم نحصل عليه، أو ما نخاف من فقده، فالحقيقة التي نعرفها لا نسعى لتأكيدها، لكننا نسعى كي نعرف الحقائق التي نجهلها. وإذا لم نتواصل منذ زمن، فأي معنى لهذه الحقيقة؟
فالتواصل جميل في تجسده، لكن الحرص عليه يشي بالخوف من الفقدان. والنسيان ليس هو الفناء، إنه حالة من الذهاب في خلايا الروح، للزمان والمكان والأحداث والأشخاص. وليس نقيض النسيان هو التذكر، بل انمحاء الذاكرة والنسيان معاً. وإذا تناسج الكائنان وعَمُقَ ما بينهما في الفكر والروح والأحلام، فإن الغياب لا يمسُّ إلا قشرة الزمن.
والحضور هو النور الذي نهتدي به في عتمة الغياب. وكأنّ الكائنينِ إذاً، وإنْ تجسدا في شكلين متغايرين في الظاهر، فإنهما متكاملانِ في الباطن، ويجسدان الحياة في تجليها الأسمى. وحتى في التوحد الأعمق مع الذات تستيقظ الحاجة لحضور الأصدقاء، فهل محبة الصداقة كأنها فيضُ الأمومة؟!



إقرأ المزيد