جريدة الإتحاد - 9/6/2026 12:32:47 AM - GMT (+4 )
تزداد قيمة الخيارات المتاحة لشراء وبيع الأوراق المالية مع ازدياد التقلبات في الأسواق. وينطبق الأمر نفسه على أصحاب العمل الذين يتخذون قرارات التوظيف والفصل في أوقات ارتفاع تكاليف المدخلات، مثل أسعار الطاقة، واضطراب السياسات التجارية، والتقنيات التحويلية. فعندما يتعذر التنبؤ بأرباح الربع المالي القادم من السنة، يكون من الأفضل الاحتفاظ بالخيارات المتاحة، وتأجيل قرارات التوظيف التي قد تنطوي على تكاليف أولية باهظة ويصعب التراجع عنها. لذا، إذا أردت معرفة سبب استمرار سوق العمل الأميركي القائم على قاعدة «لا توظيف، لا فصل» لهذه المدة الطويلة، فالسبب حالة عدم اليقين المتزايدة، التي ساهمت السياسات الأميركية نفسها في خلق جزء كبير منها.
وهذه هي خلاصة تقرير التوظيف الحكومي عن أغسطس، الصادر الجمعة. فقد ظل سوق العمل الأميركي فعلياً في حالة جمود طوال عامين على الأقل. ولا تزال عمليات التسريح منخفضة، بينما يبلغ معدل البطالة 4.1%، لكن العثور على وظائف جديدة أصبح صعباً، ما يضر بالشباب والعاطلين على الأخص، كما يتردد العاملون في ترك وظائهم حتى عندما لا يحبونها. وقد تباطأ نمو الأجور، إذ لم تعد الزيادات كافية لمواكبة التضخم. وكان الاقتصاديون قد افترضوا في البداية أن الشركات بالغت في التوظيف خلال فترة الانتعاش المحموم بعد الجائحة، لكن كان من المفترض أن نشهد تحسناً الآن، إلا أن ذلك لم يحدث.
ومن المؤكد أن الزيادة المتواضعة في الوظائف غير الزراعية يعكس جزئياً سياسات الرئيس دونالد ترامب الصارمة بشأن الهجرة، والتي حدّت من تدفق العمال الجدد من خلال إجراءات إنفاذ القانون ومناخ الخوف. وهناك تفسير آخر يربط ضعف حركة العمال بعوامل ديموغرافية طويلة الأجل، مثل ارتفاع نسبة المتعلمين وكبار السن. لكن ضعف نمو الأجور، الذي بلغ 3.1% خلال عام، مقابل ارتفاع أسعار المستهلك بأكثر من ذلك، إلى جانب انتشار تباطؤ التوظيف في الوظائف المكتبية واليدوية، يرجح أن المشكلة الأساسية هي ضعف الطلب على العمالة، وليس نقص المعروض منها.
ومع استمرار تراجع التوظيف إلى مستويات مماثلة تقريباً لما كان عليه خلال فترة «التعافي الاقتصادي المتعثر» التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، فلا بد من وجود عوامل أخرى أكثر تعقيداً، ربما أبرزها سلسلة الصدمات المتواصلة الصادرة عن البيت الأبيض. فإلى جانب صدمات سبقت ولاية ترامب الثانية، مثل جائحة كوفيد-19 وحرب روسيا وأوكرانيا وهجوم «حماس» على إسرائيل في أكتوبر 2023، جاءت صدمات أخرى كان البيت الأبيض طرفاً فيها، مثل الرسوم الجمركية في أبريل 2025، والهجمات الإسرائيلية الأميركية على إيران في يونيو 2025، والتدخل الأميركي في فنزويلا في يناير 2026 للإطاحة بنيكولاس مادورو. هذه التطورات مجتمعةً أوجدت بيئةً جيوسياسية هي الأكثر تقلباً منذ أوائل العقد الأول من القرن الـ21.
وفي خضم هذه العاصفة، يزيد الذكاءُ الاصطناعي تعقيدَ حسابات أصحاب العمل. فهو لا يرفع مستوى عدم اليقين بشأن الإيرادات والأرباح فحسب، بل يثير أيضاً تساؤلات حول القيمة التي يضيفها كل موظف جديد إلى الشركة. وقد يغير الذكاء الاصطناعي سوقَ العمل بطريقة تشبه «صدمة الصين» في أوائل العقد الأول من القرن الـ21. لكن بدلًا من تبني سياسات تسهل التحولَ عبر برامج لإعادة تدريب العمال ومساعدتهم على الانتقال، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر للشركات التي تخطط لتسريحات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تكرر الحكومةُ الأخطاءَ نفسَها.
وتفضّل الشركات التريث في ظل تفاوت النتائج. ويتضح ذلك من ارتفاع وظائف خدمات العمالة المؤقتة لثمانية أشهر متتالية، إذ شكلت 11% من إجمالي الزيادة في الوظائف الأميركية خلال تلك الفترة. وقالت شركة «مانباور غروب» للتوظيف، في يوليو، إن العملاء يتجهون بصورة متزايدة إلى حلول مرنة للقوى العاملة.
ورغم ارتفاع عدد الوظائف غير الزراعية بمقدار 162 ألف وظيفة، في تقرير أغسطس، كانت الأرقام مدعومة بزيادة وظائف التعليم في القطاع الحكومي المحلي وقطاعي الترفيه والضيافة، وهي قطاعات شديدة التقلب خلال الصيف. والأهم هو استمرار ارتفاع نسبة مَن ظلوا بلا عمل 27 أسبوعاً أو أكثر، لتصل إلى 27%، بالقرب من أعلى مستوى منذ 2021.
كما يفقد العمالُ قدرتَهم على التفاوض. فبعد الجائحة، كان تغيير الوظيفة وسيلةً موثوقةً للحصول على زيادة كبيرة في الأجر، لكن الفارق بين نمو أجور مَن يغيرون وظائفهم ومن يبقون فيها يتقلص، بينما وصل معدل الاستقالات إلى أدنى مستوى منذ 2020، في إشارة إلى تشاؤم العمال بشأن الفرص خارج شركاتهم الحالية.
ولا يستطيع العمالُ تحملَ استمرار هذا الوضع. والحل واضح نسبياً، ويكمن في التوقف عن إثارة الفوضى ووضع خطة للتعامل مع مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي. وعندها ستتمكن الشركاتُ من استئناف التوظيف. وإلا، فستبقى خياراتها مفتوحة. ولا عجب إذن في تراجع مؤشرات ثقة المستهلكين.
*كاتب عمود متخصص في الأسواق الأميركية والاقتصاد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


