القراءة من دون ملل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عندما لا يكون اقتناء كتاب واجباً، فإنك في هذه الحالة تقيم علاقة عشق مع كيان يعتقد الناس أنه جماد، بينما الكتاب كائن حي، بدم ولحم، ومشاعر تفوق مشاعر الإنسان العادي، لأن الأفكار هي سبب الحياة، وكل كتاب يحمل في داخله فكرة، وكل كتاب ينطوي على أحلام بصرف النظر عن نوعها، ولونها، وشكلها، فهي في نهاية الأمر تعبّر عن حياة، رسمت في العقل الباطن وتدحرجت مثل كرة الثلج، وكبرت، واتسعت مساحتها، وملأت الوعاء العقلي ببرودة كما هي لسعة النار، على جرح ملتهب. 
اليوم عندما تمسك كتاباً وتضعه في حضنك، تشعر وكأنك تحتضن طفلاً هو باكورة حياتك الأبوية، تشعر بالدفء، وتحتويك مشاعر غريبة لا تعرف مصدرها، ولكنك تحس بها، ولما تفتح الكتاب، وتلامس عيناك الكلمات، تنفتح أمامك نوافذ تطل على المدى، وأنت عاكف على كتابك الذي اخترته، وسعيت للحصول عليه، بعد أن مررت في مكتبات عريقة في البلد، وفي البدء تلتفت إلى لغة الكتاب فهل هي طيعة، تمتاز باللطف وأنت تتتبع خطوات الفكرة التي تحملها، وأنت تسابق الزمن كي تصل إلى قمة الهرم في الفكرة، ثم تقف، وتتأمل كم صفحة قرأت وأنت تتسلق جبل الكلمات، وأنت تتزحلق باتجاه السطور التالية، وأنت تزحف كي تمسك بعبارة تلهمك، تسلمك، للمعطى اللغوي، الذي يثريك ولا يؤذيك، والذي يمنحك مفتاح المعجم اللغوي برفاهية، ولا يضجرك بالكلام، وتستمر أنت في القراءة، وكلما اصطدمت بجملة تشبه الغبار، امتقع خاطرك، وتوجهت إلى جملة أخرى لعلك تستعيض بما فات، وهكذا تسعى العيون، كما تمضي الأفكار، في حالة انسجام، أو التحام، فالمسألة لا تخرج عن محيط الحب، فعندما تحب شيئاً تكون أنت هو ويكون هو أنت، تكونان واحداً. 
الاندماج مع الكتاب بوجود الحب، هو اتحاد مع الحياة، هو انضمام إلى وحدة الوجود، هو تناغم مع موجة البحر، هو انسجام مع نشيد الطير، هو ترنيمة كونية، يعتدل لها الطقس اليومي، ويصبح النهار مثل حرير رموش كحلها من أسود المقلتين. فكم هو الكتاب أغنية رائعة، الموسيقى فيها كلمات ذات أجنحة تحلّق بك عندما تكون أنت رائقاً، وعاشقاً للجمال، وعندما تكون أنت تستلهم من الكلمات بعدها الجمالي المنسكب مثل رضاب. 
أنت تعبر النهر، وتمضي حقباً تبحث عنك في كتاب أحببته، ورميت كل بيض طيورك في سلته، فقط لأنك أحببت، ولا شيء أجمل من الحب، لا شيء أروع من أن نكون والكتاب كلمتين في جملة واحدة وهي (أحب الكتاب)، في قراءة الكتاب أنت لا تقرأ، بل تمارس اليوجا، في وحدة مع الوجود، وفي استمرار مع التألق، لأنه عندما يكون التناغم بين مؤلف الكتاب والقارئ، يصبح العالم مثل أغنية تتسرب في الشرايين وتمنحها نقاء كريات الدم، وصفاء القلب من دخان المراحل، غبار أزمنة ما بعد المضاربات على المصير.



إقرأ المزيد