«الميثاق بعد الفراق»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

مَن يطلّق زوجته ليس مضطراً إلى أن يطلّق أبناءه معها. قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تختصر حقيقة شديدة الأهمية في مرحلة ما بعد الطلاق: أن انتهاء الزواج شأن يخصُّ الزوجين، أما الأبناء فليسوا طرفاً في العقد، أو الخلاف، ولا ينبغي أن يكونوا ضحايا له.
لهذا تأتي «وثيقة الميثاق بعد الفراق - عام الأسرة»، التي اعتمدها سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، بصفته رئيساً لدائرة القضاء في أبوظبي، لتضع قاعدة واضحة أمام الوالدين: افترقا إنْ شئتما، لكن لا تجعلا أبناءكما يفترقون عن الأمان.
القيمة الحقيقية للوثيقة أنها تنقل النقاش من سؤال «من له الحق؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ما الذي يحتاجه الطفل؟». فالمحاكم تستطيع أن تنظّم الحضانة والنفقة والرؤية، لكن الطفل يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير. يحتاج إلى أن يذهب إلى المدرسة من دون أن يحمل قصة خلاف والديه، وأن يتحدث عن أمه أمام أبيه بلا خوف، وعن أبيه أمام أمه بلا شعور بالذنب.
وهنا يصبح احترام الطرف الآخر أمام الأبناء واجباً أخلاقياً قبل أن يكون التزاماً قانونياً. فالطفل لا ينبغي أن يُطلب منه أن يختار بين أبيه وأمه، ولا أن يتحول إلى ساعي بريد ينقل الرسائل، أو شاهد على الخلافات، أو أداة ضغط في معركة النفقة والرؤية.
والوثيقة تذهب أبعد من ذلك حين تؤكد التعاون في التعليم والرعاية الصحية والتوجيه السلوكي والتربوي، والتشاور في القرارات الأساسية المتعلقة بالأبناء. وهذا يعني ببساطة أن الأب والأم، حتى بعد الانفصال، يظلان فريقاً واحداً عندما يتعلق الأمر بتربية أبنائهما ومستقبلهم. 
وأجمل ما في الميثاق أنه يمنح الصلح والتفاهم مساحة قبل المحكمة، من خلال مركز التوجيه الأسري. وهي رسالة بالغة الأهمية، لأن بعض النزاعات الأسرية لا تحتاج إلى مزيد من الخصومة، بل إلى شخص يذكّر الطرفين بأن القضية لم تَعُد «أنا وأنت»، وإنما «نحن وأبناؤنا». ويدرك الأب أن منع التواصل مع الأم ليس انتصاراً، وتدرك الأم أن تشويه صورة الأب أمام أبنائه ليس تعويضاً عن ألمها.
وفي «عام الأسرة»، هذه هي الرسالة الأهم: الأسرة لا تنتهي بورقة طلاق، وإنما تتغير مسؤولياتها. وإذا كان الانفصال قد أصبح واقعاً لا يمكن تغييره، فإن ما يمكن تغييره الطريقة التي يعيش بها الأبناء هذا الواقع. دعوا الكبار يختلفون كما يشاؤون، لكن اتركوا للأطفال حقهم الكامل بأن يحبوا آباءهم وأمهاتهم معاً… وأن يكبروا بسلام.



إقرأ المزيد