فِقْه مَا قَبْل النَّازلة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أعادت الندوة المنعقدة في جدة حول «دور القيادات الدينية في مواجهة العنف ضد المرأة» فتحَ سؤالٍ أصوليٍّ يتجاوز مجرد تقرير الحكم الشرعي بعد وقوع الاعتداء: هل تنتهي وظيفة الفقه عند توصيف النازلة والحكم عليها، أم أن مقتضى الاجتهاد أن يتقدم إلى ما قبلها، فينظر في مقدماتها وقرائنها ومآلاتها، وفي الشروط التي تسمح بتكوّنها واستمرارها؟
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه «فقه ما قبل النازلة»، وهو ليس إنشاءً مفاهيمياً خارج أصول الشريعة، بل استعادة لوظائف راسخة في علم الأصول: تحقيق المناط، واعتبار المآلات، وسد الذرائع، ودفع الضرر، ورعاية المقاصد.
 فالفقه لا ينتظر المفسدةَ دائماً حتى تستكمل صورتها، ثم يبحث عن سبيل إزالتها، إذ إن منطق الشريعة يتجه كذلك إلى منع أسباب الفساد قبل استحكامها. ومن ثم فإن المقدمة التي يغلب على الظن إفضاؤها إلى الضرر لا تكون خارج محل الاجتهاد، بل تدخل فيه بقدر اتصالها بالمآل والمقصد.
وقد أظهرت محاور الندوة أن العنف ضد المرأة ليس فعلاً منعزلاً عن سياقه، وإنما قد ينشأ من تفاعل سوء الفهم الديني، والضغط الاجتماعي، والاختلال الاقتصادي، والموروث الثقافي. كما نبّهت إلى الخلل الذي يقع حين تُقرأ بعضُ النصوص بعيداً عن مقاصد العدل والرحمة والكرامة، أو تتحوّل القوامة من مسؤولية ورعاية إلى سلطة وقهر، أو يُقدَّم العرف على مقتضيات الشرع.
وهنا يصبح تحقيق المناط مدخلاً أساسياً. فليس كل خلاف أسري عنفاً، كما أن العنف لا يبدأ دائماً بفعل جسدي ظاهر، فقد تسبقه أنماطٌ من الإهانة، والتهديد، والعزل، والتحكم الاقتصادي أو الاجتماعي.. ووظيفة النظر الفقهي الرشيد أن يميّز بين خلاف عارض قابل للإصلاح، وبين مسار تكشف قرائنه عن انتقال محتمل إلى ضرر أشد.
ويتصل بذلك فقه المآلات، إذ لا يكفي النظر إلى الفعل من حيث أصله المجرد، بل لا بد من النظر إلى ما يفضي إليه تنزيله في الواقعة المعينة. فالمآل هنا ليس مرحلةً لاحقةً للحكم، بل عنصر في بنائه. ومن هذا الباب يُعاد النظر في الصلح نفسه: متى يكون إصلاحاً يحقق مقصدَه؟ ومتى يؤدي الإصرارُ عليه إلى إعادة إنتاج الضرر؟
وهذا يقود إلى انتقال آخر، من فقه الأفعال إلى فقه البنى، لأن مقاومة العنف لا تتم بتقويم سلوك الفرد وحده، بل كذلك بمراجعة الثقافة والعرف والخطاب والمؤسسة التي قد تمنح ذلك السلوكَ قابليةً للاستمرار أو التبرير.
وقد دعت بعض محاور الندوة إلى شبكات حماية محلية، ورصد الحالات المعرضة للخطر، والتدخل قبل تصاعدها، وربط المؤسسات الدينية بالمؤسسات الاجتماعية والقانونية.
إن المطلوب، إذن، ليس تجاوز فقه المعالجة، وإنما استكماله بفقه أسبق منه رتبةً في النظر: فقه يقرأ الأسباب قبل اكتمال آثارها، ويراعي المآلات قبل استفحالها، ويجعل الوقاية جزءاً من صناعة الحكم لا مجرد نتيجة تالية له.
إن «فقه ما قبل النازلة» ليس فقهاً للمستقبل بالمعنى الزمني، بل هو فقه للمآل بالمعنى الأصولي، يَقرأ مقدمات الفعل قبل استحكامه، ويَمنع الوسيلةَ قبل أن تستولد مفسدتَها، ويجعل حمايةَ المقصد جزءاً من بناء الحكم، لا أثراً يأتي بعده.

*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة



إقرأ المزيد