جريدة الإتحاد - 9/9/2026 10:21:43 PM - GMT (+4 )
أعلن المبعوثان الخاصّان للرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إحرازَ تقدم كبير خلال جولتهما الأخيرة التي قادتهما أولاً إلى موسكو، ثم إلى كييف. وإذا كان كوشنر وويتكوف قد زارا العاصمةَ الروسية أكثر من ثماني مرات من قبل، فإن هذه كانت المرة الأولى التي يزوران فيها أوكرانيا.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أطلع المبعوثَين الأميركيين خلال هذه الزيارة على الأضرار التي خلّفتها الغارات الروسية على بلاده، مجدِّداً مناشدةَ واشنطن مدَّ الجيش الأوكراني بصواريخ دفاعية جديدة من طراز «باتريوت» بهدف الحدِّ من الخسائر في أرواح المدنيين والأضرار التي تطال البنيةَ التحتية.غير أن الولايات المتحدة استخدمت جزءاً كبيراً من مخزونها من الذخيرة في الحرب ضد إيران. صحيح أنها وعدت بمنح أوكرانيا ترخيصاً يتيح لها تصنيع الصواريخ الاعتراضية بنفسها، لكن ذلك لن يحقق نتائج ملموسة إلا بعد عدة سنوات.
وهكذا، تجد أوكرانيا نفسَها اليوم في وضع هشٍّ للغاية إزاء تزايد الهجمات الروسية التي تُلحق أضراراً جسيمة بقدراتها الصناعية ونظامها الطاقي. وهو وضعٌ يجعل الأوكرانيين يعانون الأمرّين بسبب برد الشتاء الذي يجعل الحياة اليومية شبه مستحيلة.
على أن الوضع خطير من الناحية الديموغرافية أيضاً، حيث انخفض عدد سكان أوكرانيا اليوم إلى نحو 23 مليون نسمة، مقارنة بـ50 مليون نسمة عند استقلال البلاد عام 1991.
روسيا لم تقدم أي تنازل، على الرغم من لباقة تصريحاتها تجاه الولايات المتحدة، وترى أنها إذا لم تحصل على ما تريده عبر المفاوضات، فإن ميزان القوى يتيح لها الاستمرار في الحرب مهما كان الثمن. وهكذا، تواصل موسكو التمسك بمطالبها، ولا سيما انسحاب الجيش الأوكراني من الجزء الذي لا يزال موجوداً فيه من منطقة دونباس (أي ربع هذا الإقليم)، وهو ما تعتبره أوكرانيا أمراً غير مقبول على الإطلاق، سواء من منظور القانون الدولي، أو بالنظر إلى التضحيات الجسيمة التي بذلتها. كما تُصرُّ روسيا على ضرورة معالجة «الأسباب الجذرية للصراع»، أي المطالب نفسها التي طرحتها منذ البداية، وخاصة عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف «الناتو». والواقع أن أعضاء «الناتو» أنفسهم يرفضون انضمام أوكرانيا إلى الحلف، لكن زيلينسكي يواصل طرح هذا المطلب بطريقة محرجة للحلف.
روسيا تطالب أيضاً بعملية نزع سلاح نسبية لأوكرانيا، حتى لا تعود قادرةً على ضرب أي أهداف في العمق الروسي، على غرار ما قامت به مؤخراً رداً على الضربات الروسية. وتُصر موسكو على هذه المطالب، رغم التكلفة البشرية والاقتصادية الباهظة للحرب طوال أكثر من أربعة أعوام. وهي تراهن على أن أوكرانيا ستستسلم، وعلى أن الأوروبيين - وهم آخر مموّل لكييف - سيتعبون ويملّون من ذلك قريباً.
وكانت روسيا قد وعدت مواطنيها بانتصار سهل في «عملية عسكرية خاصة»، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى حرب طويلة الأمد، بلغت خسائرها البشرية 40 ضعف خسائر الحرب في أفغانستان، مما أوجد شعوراً بالسأم لدى الكثيرين على الجانبين. وتستمر هذه الحرب في ظل وجود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تعهّد خلال حملته الانتخابية لعام 2024 بإنهائها «في غضون 24 ساعة». غير أنه إخفاق تُخفِّف من وطأته، في نظر واشنطن، رؤيةُ روسيا منشغلةً بحرب طويلة في أوكرانيا، في وقت توافق فيه أوروبا على الاضطلاع بدور أكبر في دعم كييف على الصعيد العسكري والاستراتيجي والطاقي.
والواقع أن موسكو قد تنجح في تحقيق مبتغاها والسيطرة على منطقة دونباس بأكملها في نهاية المطاف. وحتى إذا لم تتمكن من اجتياح أوكرانيا، فإنها ستكتفي بإضعافها وتحجيم طموحاتها. غير أن ذلك سيكون انتصاراً باهظ التكلفة للغاية، لأن استمرار الحرب سيزيد من إضعاف الجميع دون استثناء.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس
إقرأ المزيد


