القمة الأميركية الصينية.. أجندة حافلة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن، يوم 24 سبتمبر الجاري، لإجراء محادثات قد تشمل العلاقات الثنائية والأمن الدولي والاقتصاد العالمي. ومن المرجح أن تكون أجندة الاجتماع موسعة، إذ إن ما سيناقشه الزعيمان، وما سيقرران عدم مناقشته، قد تكون له تداعيات تتجاوز بكثير العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم.
وهناك قضيتان تستحقان اهتماماً خاصاً وهما الذكاء الاصطناعي، والتداخل متزايد الخطورة بين التجارة والطاقة والحرب. فلم تعُد قضية الذكاء الاصطناعي تقتصر على المنافسة التكنولوجية فحسب، إذ يواجه البلدان مخاوف متزايدة بشأن احتمالية إساءة استعمال الأنظمة سريعة التطور، والتي تشمل استخدامها في العمليات العسكرية. ومع ذلك، تواصل الولايات المتحدة والصين سباقاً محتدماً نحو الريادة التكنولوجية، مع السعي لتطوير «الذكاء الاصطناعي العام». وتُظهر الاتهامات الأميركية الأخيرة، التي تفيد بأن شركات صينية سعت للحصول على قدرات من أنظمة ذكاء اصطناعي أميركية رائدة، ورفض بكين لهذه الاتهامات، مدى صعوبة تحقيق تعاون فعّال. ورغم ذلك، فإن كلا الجانبين لديهما مصلحة في وضع بعض القواعد الأساسية على الأقل قبل أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً متأصلاً في الحروب وأنظمة البنية التحتية الحيوية.
أما القضية الثانية فتتعلق بالطاقة. فقد تسبّب الصراع في الشرق الأوسط في ضغوط خطيرة على أسواق النفط العالمية. وأغلقت السعودية مؤخراً خط أنابيب الشرق-الغرب بعد هجمات بطائرات مسيرة، ما أدى مؤقتاً إلى وقف مسار حيوي لنقل النفط إلى البحر الأحمر، في الوقت الذي مازالت فيه كثير من شركات النقل البحري تتجنب المرور عبر مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، فقد تزايدت التهديدات للملاحة في البحر الأحمر وعبر مضيق باب المندب. وهي تطورات استجابت لها أسعارُ النفط بقوة، مما زاد الضغوطَ التضخمية التي تواجهها اقتصادات العالم.
ويمثل ذلك مشكلة مشتركة لكل من واشنطن وبكين معاً، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد تكاليف النقل والإنتاج، ويؤدي إلى زيادة أسعار الغذاء من خلال زيادة تكاليف الوقود والأسمدة. وتعتبر البلدان الأفريقية وغيرها الأكثر عرضةً للخطر، كونها تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة والغذاء.
وتضيف الحربُ في أوكرانيا بُعداً آخر للمخاطر، إذ تزداد أهمية الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة، ولا يمكن للحكومات أو الرأي العام التأكد على وجه اليقين من كيفية تصرف الأنظمة ذاتية التشغيل أو شبه ذاتية التشغيل مع تطورها. كما أن احتمالية أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تسريع وتيرة التصعيد أو الهجمات السيبرانية أو عمليات اتخاذ القرار في ساحات الصراع، تجعل غيابَ البروتوكولات الدولية أمراً مثيراً للقلق بشكل متزايد.
وهناك سابقة تاريخية لمثل هذا التعاون. فخلال الحرب الباردة، نجحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، رغم العداء العميق بينهما، في التفاوض على اتفاقيات للحد من التسلح بهدف تقليل مخاطر وقوع كارثة نووية. وقد أصبحت تلك الجهود فيما بعد جزءاً من نظام دولي أوسع لمنع الانتشار النووي. ورغم أن الأسلحة النووية لم تختفِ وأن النظام القائم يواجه ضغوطاً جسيمة، فإن تلك التجربة تُثبت أن الخصوم الاستراتيجيين قادرون على وضع قواعد للتعامل فيما بينهم، حتى في ظلّ تعذُر تسوية الخلافات الجوهرية.
 ومن ثم، يأتي لقاء ترامب وشي في لحظة بالغة الأهمية، إذ لم تعُد النزاعات التجارية، ومخاوف أمن الطاقة، والحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي قضايا منفصلة، بل باتت تتداخل فيما بينها بشكل متزايد. ولعل قدرة واشنطن وبكين على إيجاد مجالات محدودة للتعاون، دون التخلي عن حالة التنافس بينهما، قد تكون أكثر أهمية من أي إعلان محدد يصدر عن القمة.
وسيتوقف الكثير على ما يتوقع كل طرف تحقيقه، وعلى كيفية تشكيل الضغوط السياسية الداخلية لخياراتهما. ومن غير المرجح أن يُسفر اللقاء عن تسوية الخلافات الرئيسية بين الولايات المتحدة والصين، لكنه قد يساعد في تحديد ما إذا كان التنافس بينهما سيُدار وفق قواعد وآلياتِ تَواصلٍ واضحة، أم سيُترك ليفاقم الأزمات التي تنتشر حول العالم!

 


*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال انترست - واشنطن



إقرأ المزيد