جريدة الإتحاد - 9/17/2026 11:02:56 PM - GMT (+4 )
إليكم قصة نجاح نادرة من آسيا في أعقاب أزمة الطاقة التي تلت أزمة مضيق هرمز: فقد تمكنت إندونيسيا من استخدام الوقود الحيوي لإنهاء اعتمادها على الديزل المستورد. لكن الجانب المثير للقلق هو أن السياسة نفسها قد تكون تُصدّر مزيداً من الدخان إلى دول الجوار، والسبب هو زيت النخيل. فمن المتوقع أن يُحرق نحو خُمس الإنتاج العالمي منه هذا العام في محركات إندونيسية. وتفرض الحكومة مزج الديزل بنسبة 50% من الوقود الحيوي، ويُستخدم أساساً في الشاحنات والمولدات الاحتياطية الصغيرة.
وساعد ذلك إندونيسيا، إحدى أكبر مستوردي النفط في العالم، على تجاوز تداعيات الحرب مع إيران. وفي استجابته للصراع، أسرع الرئيس برابوو سوبيانتو الانتقال من نسبة 40% إلى 50%. وقال، إن القرار أنهى الحاجة لاستيراد الديزل ووفّر للبلاد 9.5 مليار دولار سنوياً.
هذه السياسة ترفع قيمة سلعة ترتبط بسحابة الضباب الدخاني التي تُخيم على عشرات الملايين في سنغافورة وماليزيا والفلبين وإندونيسيا نفسها. وكان تحويل أسطول الشاحنات إلى الكهرباء سيحقق أمن الطاقة نفسه بتكلفة أقل بكثير على البيئة وصحة الإنسان.
ولا يعتبر حرق الغابات لإفساح المجال أمام مزارع النخيل بالأمر الجديد في إندونيسيا، كما أن التلوث الناتج عنه يمثل مشكلة منذ عقود. لكن بعد احتراق أكثر من 200 ألف هكتار حتى أغسطس الماضي، ومع توقعات بأسابيع أكثر سوءاً قادمة، قد يكون موسم حرائق الغابات هذا هو الأشد قسوة في إندونيسيا منذ عام 2015.
وتسبب أزمة موسم 2015 في خسائر اقتصادية بلغت 16 مليار دولار وأكثر من 100 ألف وفاة مبكرة، ودفع جاكرتا إلى تشديد حماية الغابات. كما عزز في أوروبا حملة مناهضة لزيت النخيل انتهت إلى توقف الاتحاد الأوروبي عن تصنيف وقود الديزل الحيوي المصنوع منه وقوداً متجدداً، ما أدى إلى تراجع استهلاكه. واحتوت إندونيسيا فائض المعروض برفع نسبة الخلط الإلزامية تدريجياً إلى مستواها الحالي.
ويتسم زيت النخيل بطبيعة مزدوجة متناقضة، فعند استخراجه من مزرعة قائمة بالفعل، يمكن أن تكون انبعاثاته على امتداد دورة حياته نحو نصف انبعاثات الديزل. لكن إذا أُزيلت الغابات المطيرة أو جُففت الأراضي الرطبة لزراعته، فقد تصل الانبعاثات إلى ضعف الانبعاثات الناتجة عن الوقود الأحفوري.
لذلك يعتمد تأثير الوقود الحيوي على المناخ بدرجة كبيرة على مصدر الوقود الإضافي. وتقول الحكومة، إن الطلب المتزايد يمكن تلبيته بتحسين إنتاجية المزارع القديمة وزراعة النخيل في الأراضي المتدهورة.
لكن البيانات تشير إلى خلاف ذلك. فمنذ 2015، جاءت الزيادة في إنتاج زيت النخيل بالكامل من التوسع في الأراضي المزروعة، إذ زادت مساحة المزارع 65%، بينما انخفضت الإنتاجية 7%.
كما أن مصطلح «الأراضي المتدهورة» فضفاض. ووجدت دراسة عام 2024 أن أكثر من نصف مزارع النخيل في إندونيسيا تقع في مناطق كانت غابات قديمة عام 1990. وقد تتحول الغابة اليوم إلى جبهة للحرائق، ثم إلى أحراج متدهورة، وفي النهاية إلى مزرعة توصف بأنها «مستدامة».. ويقول مسؤولون محليون، إن أغلب الحرائق تقريباً ناجم عن أنشطة بشرية، وإن 80% من الأراضي المحترقة تتحول في النهاية إلى مزارع.
وتتسم الظروف العام الحالي بالخطورة والقابلية للاشتعال. فالطقس الحار والجاف الناجم عن ظاهرة «النينيو» فائقة القوة يعني حرائق أطول وأوسع نطاقاً. ومع بلوغ سعر النفط الخام 100 دولار للبرميل ووصول أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، أصبحت الأراضي القادرة على إنتاج بديل للوقود أكثر قيمة. ومع جفاف الغطاء النباتي، فإن كل ما يتطلبه الأمر مجرد عود ثقاب.
وهناك طريقة أفضل لإنهاء الاعتماد على الديزل المستورد، وهي التخلص من المحركات التقليدية في الشاحنات. فقد اشترت الصين، أكبر مستورد للوقود في العالم، نحو مليون شاحنة كهربائية، أي ما يعادل سدس أسطول المركبات التجارية في إندونيسيا، وتأتي الطاقة اللازمة لتشغيلها في الغالب من مصادر محلية.
وتتمتع جاوة وسومطرة وبورنيو بإمكانات كبيرة لإنتاج الطاقة لكنها مهدرة. فتركيب ألواح شمسية على 10% فقط من مزارع النخيل سيولد ما يكفي لتشغيل جنوب شرق آسيا واليابان. ولا يُستغل سوى نحو ربع إمكانات الطاقة الكهرومائية. وبينما تشكل السيارات الكهربائية قرابة ربع مبيعات السيارات، تتخلف الشاحنات والمركبات ذات العجلتين بشدة بسبب ضعف دعم السياسات.لقد وجدت إندونيسيا سبيلاً واحداً للتحرر من الاعتماد على الديزل المستورد، غير أن الصين تقدم نموذجاً أفضل قادر على الحفاظ على ميزان المدفوعات وحماية المشهد العام. بل إن التحول نحو الكهرباء من شأنه الحد من التلوث الضار الناجم عن حرق الأراضي وعوادم المركبات، وهي آفة تؤثر سلباً على صحة الملايين في أنحاء جنوب شرق آسيا وتقلص متوسط أعمارهم. إنها فرصة سانحة لصفقة كبرى، لو تمكن الرئيس الإندونيسي من اغتنامها.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ والطاقة.
إقرأ المزيد


