جريدة الإتحاد - 9/18/2026 11:57:36 PM - GMT (+4 )
عند الحديث عن توازن القوة، يشير علماء السياسة، خاصة المهتمين منهم بتحقيق السلام العالمي ومنع نشوب الحروب بأنواعها كافة، إلى أنه عندما يسعى طرف إقليمي إلى حيازة أسلحة دمار شامل كما تفعل إيران منذ أن وصل النظام القائم بها حالياً إلى السلطة في عام 1979 على إثر سقوط نظام الشاه السابق، فإن هذا يثير المخاوف حول الاستقرار الإقليمي وتوازن القوى في المنطقة. ويقيم العلماء معادلتهم هذه على فرضية أنه إنْ تسلحت إيران نووياً، فإن ميزان القوة في الخليج العربي سيصبح مختلاً في صالح إيران، علماً بأن دول مجلس التعاون الخليجي لديها طموحاتها التنموية ورؤاها الاستراتيجية المتمحورة حول الاستقرار والسلام.
والمواقف الإيرانية من مسائل حيازة القوة لأغراض عدائية تجاه العالم أجمع محيرة، وتجاه دول المجلس أكثر إثارة لمصادر القلق والحيرة، خاصة في أعقاب الاعتداءات الإيرانية العبثية المدمرة التي أتت بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
الإيرانيون لديهم عقيدة راسخة بأن كبر مساحة بلادهم وكثرة أعدادهم البشرية وما يملكونه من موارد اقتصادية هي عوامل تدعوهم إلى فرض هيمنتهم على شعوب المنطقة والتوسع في أراضيها ونهب خيراتها ومواردها كما يفعلون في العراق واليمن ولبنان، وكما يفعلون في سوريا قبل التغيُّرات الجذرية فيها وطردهم منها. ومما هو واضح أنهم لا يقرأون التاريخ جيداً، وإن قرأوه هم لا يفهمون منه ولا يفقهون العبر والدروس التي يتوجب استسقاؤها منه. يخبرنا تاريخ علاقات العرب بالفرس أن الكثرة العددية وكبر المساحة الجغرافية ووفرة الموارد الاقتصادية وكثرة العتاد الحربي في أيديهم ليست عوامل أهلتهم للتفوق أو الغلبة.
وعندما بدأ الفتح العربي الإسلامي لبلاد فارس، كان الفرس أكثر تأهيلاً من حيث القوة المادية وعدد وضخامة الجيوش، لكن عرب الجزيرة العربية ما بين البحرين: الخليج العربي والبحر الأحمر، من سواحل الخليج العربي شرقاً إلى تهامة والحجاز غرباً هزموهم، وفتحوا بلادهم، وأدخلوهم في الإسلام الحنيف رغم قلة عددهم وقلة إمكانياتهم بما لدى الفرس.
وعلى عكس ما كان يعتقده الفرس، هزمتهم أمة كان يُعتقد بأنها الأضعف بجميع مقاييس القوة في ذلك الزمان. تلك المحدودية لدور عناصر القوة الأكثر والأكبر في تحقيق النصر لها شواهد تاريخية صارخة في العصور الحديثة تجلت فيما بعد الحرب العالمية الثانية في مناطق عدة، ويستطيع عرب الخليج العربي إعادة تكرارها في علاقاتهم مع إيران لو اجتمعوا على قلب واحد ويد واحدة. على أقل تقدير، إلى المدى الذي هي عليه معطيات التأهل لمصادر القوة، هي مسألة مهمة وتؤخذ بعين الاعتبار وفقاً للمواقف والأفعال والأقوال التي تمارسها إيران ضد دول المجلس، فإيران تعتقد عن ذاتها - في مواجهة دول المجلس - أنها لا يمكن التفوّق عليها من حيث توازن القوة على مدى العقود القادمة، وبأن وضعها في داخل الإقليم الفرعي في الخليج العربي كقوة عسكرية ضخمة لا يمكن تجاوزها أو تحقيق النصر عليها.
كان ذلك هو الاعتقاد الإيراني الراسخ قبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب عليها، لكن الموقف أصبح مختلفاً جذرياً، ما بعد حرب الثامن والعشرين من فبراير 2026 والنتائج التي تمخضت عنها حتى الآن. الموقف اختلف وفقاً لما هو قائم في داخل إيران حتى الآن وما حدث من تدمير لقوتها العسكرية واقتصادها وبُناها التحتية، وبرز على الساحة العسكرية والسياسية ميزان جديد للقوة، وللحديث بقية.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


