الإمارات اليوم - 9/19/2026 12:37:47 AM - GMT (+4 )
تنتشر إعلانات على مواقع السوشيال ميديا، حافلة بوعود وهمية حول قدرة أشخاص على شفاء المصابين بأمراض مستعصية، وادعاء القدرة على حل خلافات زوجية معقدة.
ويغلّف بعضهم أنشطتهم المشبوهة بهالة دينية، فيقدمون أنفسهم بصفتهم «راقين»، أملاً في الحصول على «حصانة» الدين.
ويستفيد هؤلاء، عادة، من حالة اليأس التي يعيشها الأشخاص الواقعون تحت تأثير المرض، أو الخلافات، أو التعثر في الرزق، حتى يتسللوا إلى المنازل، ويحققوا مكاسب مالية غير مشروعة، من دون أن يلقوا بالاً لما يتخلل «اجتهاداتهم» من مخاطر صحية واجتماعية.
«راقٍ شرعي»
وتفصيلاً، قال أشخاص، فضّلوا عدم ذكر أسمائهم، إن الحكاية تبدأ أحياناً من حساب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، يعرّف صاحبه نفسه فيه بعبارات من قبيل «راقٍ شرعي»، فيما تمتد منشوراته وممارساته إلى الحديث عن «الطاقة السلبية» وطرق التخلص منها، وتقديم خلطات ووصفات تدخل فيها مواد مختلفة.
وتابعوا أن بعض زيارات «المعالجين» تبدأ بمطالبة الأسرة الباحثة عن الطمأنينة أو الشفاء، بـ«تنظيف المنزل» و«إزالة الطاقة السلبية»، زاعمين أنها المسؤولة عن الأمراض المزمنة، والأزمات الأسرية، والتعثر في شؤون الحياة.
وأكدوا لـ«الإمارات اليوم» أن خطورة هذه الممارسات تتجاوز مسألة الاعتقاد بـ«الطاقة» نفسها، لتصل إلى الخلط بين الرقية الشرعية وممارسات أخرى قد تستعين بأفكار شائعة لمنح نفسها مشروعية، فضلاً عن التعامل مع المرض خارج الإطار الطبي، وممارسة نشاط علاجي أو تقديم وعود بالشفاء داخل المنازل من أشخاص غير مرخصين.
التحذير لا يكفي
وفي المقابل، قال المحامي والمستشار القانوني، محمد العوامي المنصوري، إن التعامل مع هذه الممارسات لا ينبغي أن يتوقف عند تحذير الأسر منها، إذ إن هناك جانباً قانونياً يتعلق بما يقدمه هؤلاء الأشخاص من ادعاءات وممارسات، خصوصاً عندما تُستخدم الصفة الدينية أو وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الجمهور والترويج لخدماتهم.
ودعا إلى عدم الاكتفاء بالابتعاد عن الأشخاص الذين يمارسون مثل هذه الأنشطة أو يحاولون استغلال الأسر تحت مسميات دينية أو علاجية، وإنما إبلاغ الجهات المختصة عنهم، حتى تتولى كل جهة التحقق من الممارسة وفق اختصاصها، وما إذا كان الشخص مخولاً أو مرخصاً له بممارسة النشاط الذي يعلن عنه أو يقدمه للجمهور.
وأوضح أن البلاغ يمكن أن يوجه إلى الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة عندما يتعلق الأمر بأشخاص يقدمون أنفسهم بصفتهم «رقاة شرعيين»، أو يستخدمون الدين في الترويج لممارساتهم، فيما يمكن إبلاغ الهيئة الوطنية للإعلام عن المحتوى والحسابات التي تستخدم وسائل الإعلام والمنصات الرقمية للترويج لهذه الممارسات، كل بحسب اختصاصه.
وأكد أهمية الإبلاغ عن الحسابات والممارسات المشبوهة، وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد اجتهادات شخصية، خصوصاً إذا اقترنت بادعاءات بعلاج الأمراض أو الشفاء منها، أو بطلب مبالغ مالية مقابل جلسات متكررة، مشيراً إلى أن إحالة الأمر إلى الجهات المختصة تتيح التحقق من حقيقة النشاط ومدى قانونيته، واتخاذ ما يلزم بشأنه وفق الأنظمة المعمول بها.
ستار الدين
ومن الجانب الشرعي، أكد الدكتور في الشريعة والفقه المقارن والسياسة الشرعية، سعيد سالم الدرمكي، أن استخدام مفاهيم دينية أثناء الجلسة لا يجعل الممارسة مشروعة في حد ذاتها، مشيراً إلى عدم جواز اتخاذ الدين ستاراً لتسويق ممارسات أو ادعاءات لا تقوم على دليل شرعي أو علمي معتبر.
وأوضح أن إدخال الأذكار في ممارسات يطلق عليها «تنظيف الطاقة» أو «فتح مساراتها» أو «موازنة الشاكرات»، أو ما يسمى «المانترا»، التي تقال في بعض جلسات التأمل واليوغا، لا يضفي عليها صفة شرعية، لافتاً إلى أن الحكم يتفاوت بحسب طبيعة الممارسة وما يصاحبها من اعتقادات وادعاءات.
وقال إن بعض الممارسات قد تدخل في البدعة، إذا أُحدثت هيئة تعبدية لم يأتِ بها الشرع، أو في الغش وأكل أموال الناس بالباطل إذا بُنيت على ادعاءات وهمية.
وأضاف أن الأمر قد يبلغ درجة أشد إذا تضمنت الممارسات والطقوس الاستعانة بالجن أو الطلاسم أو ادعاء معرفة الغيب، أو الاعتقاد بأن المعالج يتصرف بقوة خفية مستقلة في جلب النفع ودفع الضر، مشيراً إلى أن «بعض ممارسي هذه الطقوس لا يستخدمون مسميات الجن أو الشياطين، وإنما يطلقون عليها مسميات من قبيل الكيانات أو الأرواح الضائعة».
وشدد على أهمية التفريق بين استخدام كلمة «الطاقة»، بوصفها مصطلحاً علمياً له دلالته، وبين تقديمها على أنها قوة غيبية يستطيع المعالج اكتشافها أو تنظيفها أو نقلها والتحكم فيها من دون دليل علمي معتبر، مؤكداً أن موضع الاعتراض يتمثل في تحويل المصطلح إلى اعتقاد وممارسة علاجية.
وفي ما يتعلق بالأسر التي تلجأ إلى أشخاص بسبب تكرار المشكلات الزوجية أو المرض أو تعثر الرزق، قال الدرمكي إن ذلك لا يعني أن كل مرض سببه عين، أو كل خلاف زوجي سببه سحر، أو كل تعثر في الرزق ناتج عن «طاقة سلبية».
وحذر من أن التوسع في هذه التفسيرات قد يحجب الأسباب الحقيقية للمشكلة، إذ قد تعود الخلافات الزوجية إلى ضعف التواصل أو الضغوط المالية أو تدخل الآخرين، فيما يحتاج المرض إلى تشخيص طبي، ويحتاج تحصيل الرزق إلى بذل الأسباب والسعي.
وأوضح أن الرقية الشرعية لا تقوم على طقوس غامضة أو ادعاءات جازمة بمعرفة أمور غيبية، فيما تظهر علامات الاستغلال عندما يدعي شخص اكتشاف «ذبذبات» أو «بوابات طاقة» أو كائنات خفية في المنزل، أو يطلب اسم الأم أو صوراً أو شعراً أو قطعاً من الملابس، أو يستخدم طلاسم ورموزاً وعبارات غير مفهومة.
وأضاف أن من العلامات أيضاً القيام بأعمال غريبة، مثل دفن أشياء أو حرقها، أو تحديد شخص بعينه باعتباره الحاسد أو الساحر، أو فرض جلسات متكررة ومبالغ مالية كبيرة، وإخافة الأسرة من التوقف عن التعامل معه.
علامات خطرة
وأشار الدرمكي إلى علامات أخرى وصفها بالخطرة، منها الخلوة بالنساء أو مسّ أجسادهن، وطلب كشف مواضع لا حاجة إلى كشفها، أو ربط الشفاء حصراً بالمعالج أو بطريقته، مؤكداً أن الراقي الموثوق به لا يدعي معرفة الغيب، ولا يصنع حول نفسه هالة من القداسة، ولا يمنع الناس من مراجعة الأطباء أو المختصين، ولا يبني دخله على تخويف الأسرة وإبقائها في دائرة من الجلسات المتكررة.
وأكد أن مجرد بدء الزيارة بالخطاب الديني لا يكفي لاعتبار ما يحدث بعدها رقية شرعية. وقال إن «العبرة بحقيقة العمل ومضمونه، لا بالمقدمة التي يبدأ بها الشخص، إذ قد يستخدمها البعض لبناء الثقة قبل الانتقال إلى ادعاءات لا أصل لها».
وحذر من مفاهيم مثل «تنظيف الهالة» و«فتح الشاكرات» و«إعادة توازن الذبذبات» و«طرد الطاقة السلبية»، أو الادعاء بالقدرة على تحديد أسباب المشكلات من خلال الإحساس بطاقة المكان.
وأضاف أنه لا حرج في أصل أخذ أجر معتدل على الرقية الشرعية، لكن ذلك لا يبيح الخداع أو استغلال حاجة المريض، لافتاً إلى أن تحول الأمر إلى جلسات متكررة بلا معيار واضح، يصاحبها تخويف الأسرة من عودة الضرر في حال التوقف، أو تقديم وعود مضمونة بالشفاء وحل المشكلات، يحول المسألة إلى استغلال لمخاوف الناس وأكل لأموالهم بغير حق.
وقال إن الدين لا يتحول إلى غطاء شرعي للخرافة، والعبارات الدينية لا تجعل الادعاء غير المثبت حقيقياً، محذراً من خطورة إقناع المرضى بأن أعراضاً جسدية معينة، مثل التثاؤب أو الصداع أو تغير نبض الجسد أثناء القراءة، تمثل دليلاً قاطعاً على الإصابة بالعين أو السحر، مؤكداً أن المرض قد يكون عضوياً أو نفسياً أو وراثياً، ويحتاج إلى فحوص وتشخيص من متخصص، وأن كثيراً من تلك الأعراض له تفسيرات طبية ونفسية.
وأكد أن إقناع المريض بترك الدواء أو تأخير الفحوص والعلاج الطبي تصرف غير صحيح، وقد يكون محرماً إذا ترتب عليه ضرر، لما قد يؤدي إليه من تفاقم المرض أو ضياع فرصة العلاج المبكر أو حدوث عجز دائم أو وفاة، مشيراً إلى أن من يتسبب في الضرر بتحريض المريض على ترك العلاج يتحمل مسؤولية دينية وأخلاقية، وقد تترتب عليه مسؤولية قانونية بحسب الأنظمة المعمول بها.
وشدد على عدم وجود تعارض بين الرقية والعلاج الطبي، إذ يمكن للمسلم أن يرقي نفسه ويدعو الله، وفي الوقت نفسه يراجع الطبيب ويتناول العلاج الموصوف، مؤكداً أن الأخذ بالأسباب الطبية لا ينافي التوكل، مع ضرورة عدم تحويل العين والحسد إلى تفسير جاهز لكل مرض أو مشكلة.
الحبس والغرامة
وبدوره، قال المحامي والمستشار القانوني، عبدالله بن حاتم: «إن الممارسات التي يقدمها أشخاص تحت مسمى (العلاج بالطاقة) قد تتجاوز، من الناحية القانونية، حدود الاعتقاد الشخصي، وتدخل في نطاق المساءلة الجنائية أو مخالفة الأنظمة المنظمة لمزاولة المهن الصحية والإعلانات الصحية، وفقاً لطبيعة ما يقوم به الشخص فعلياً، والادعاءات التي يقدمها، وما إذا كان يتقاضى أموالاً مقابل ذلك».
وأوضح أن المادة (366) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (31) لسنة 2021 بإصدار قانون الجرائم والعقوبات، تعاقب بالحبس والغرامة التي لا تقل عن 50 ألف درهم من يرتكب، بقصد استغلال الغير أو الإضرار به، عملاً من أعمال المخادعة أو الشعوذة أو الدجل، سواء كان ذلك حقيقة أو خداعاً، وبمقابل أو من دون مقابل.
وأكد ضرورة التفريق قانونياً بين الأفعال والادعاءات، مشيراً إلى أن العبرة بطبيعة الممارسة والادعاءات والاستغلال المصاحب لها.
وأضاف أن استخدام الأفكار أو المعتقدات في بداية الجلسة لا يحول دون مساءلة الشخص عن أفعال أخرى قد تشكل، وفقاً لتفاصيل كل واقعة، دجلاً أو ممارسة صحية غير مرخصة.
وأشار إلى أن الجانب القانوني يصبح أكثر وضوحاً عندما ينتقل «معالج الطاقة» من الحديث العام عن الطاقة إلى تشخيص حالة المريض، كأن يخبره بأن مرضه ناتج عن «طاقة سلبية»، ثم يدعي قدرته على علاج المرض أو إزالة سببه.
وأوضح أن القانون الاتحادي رقم (5) لسنة 2019 في شأن تنظيم مزاولة مهنة الطب البشري يشترط لمزاولة المهنة الحصول على ترخيص من الجهة الصحية المختصة، في إطار حماية المجتمع من الممارسات الطبية غير المشروعة.
وتابع أن القانون يقرر عقوبات على مزاولة المهنة دون الحصول على الترخيص، ومن بينها العقوبات الواردة في المادة (25)، التي تشمل، في الحالات التي تنطبق عليها أحكام المادة، الحبس أو غرامة لا تقل عن 200 ألف درهم ولا تزيد على مليوني درهم.
وأكد أن استخدام مسمى «معالج بالطاقة» لا يسمح بتجاوز متطلبات الترخيص، موضحاً أن تغيير الصفة من «طبيب» إلى «معالج طاقة» لا يحسم الوضع القانوني للشخص، لأن التقييم ينصبّ على حقيقة النشاط الذي يمارسه، وليس فقط الاسم الذي يطلقه على نفسه.
وأشار إلى أن دولة الإمارات تنظم المهن الصحية التي يمارسها غير الأطباء والصيادلة بموجب القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2023، وصدرت لائحته التنفيذية بقرار مجلس الوزراء رقم (176) لسنة 2025، الساري منذ 29 نوفمبر 2025.
المخادعة والشعوذة
شدد المحامي والمستشار القانوني، عبدالله بن حاتم، على أن التقييم القانوني لهذه الممارسات لا يتوقف على المسمى المستخدم في الحسابات أو الإعلانات، وإنما على طبيعة الأفعال والادعاءات التي يقدمها صاحبها، لافتاً إلى أن قانون الجرائم والعقوبات يُجرّم أعمال المخادعة والشعوذة والدجل متى ارتُكبت بقصد استغلال الغير، فيما تخضع ممارسة الأنشطة الصحية والتشخيص والعلاج لأنظمة الترخيص لدى الجهات الصحية المختصة. وقال إن انتقال مقدم الرقية إلى تشخيص الأمراض أو نسبها إلى أسباب خفية، أو الادعاء بقدرته على علاجها وإزالة أسبابها مقابل المال، قد يثير - بحسب تفاصيل كل واقعة - شبهة ممارسة نشاط صحي دون ترخيص، أو أفعال الدجل والشعوذة، أو مخالفات تتعلق بالإعلان الصحي، مؤكداً أن اللجوء إلى الدين لا يمنح حصانة قانونية لأفعال أخرى، متى توافرت فيها أركان المخالفة أو الجريمة.
إقرأ المزيد


