جريدة الإتحاد - 9/19/2026 12:43:53 AM - GMT (+4 )
يغير الانتشار الواسع لصور الأقمار الاصطناعية أساليب الصراعات العسكرية. فمدار الأرض المنخفض، الذي كان قليل الاكتظاظ في السابق، بات اليوم مزدحماً بالأقمار الاصطناعية التي تملكها وتشغلها أو يمكن لبلدان عديدة الوصول إليها، من بينهم خصوم الولايات المتحدة.
وتكشف الصور التي تلتقطها هذه الأقمار عن مساحة أكبر من ساحة المعركة أكثر من السابق، ما يحوّل القواعد غير المستعدة إلى نقاط ضعف. وحتى السحب لم تعد توفر الحماية، إذ تتيح الصور المعتمدة على الرادار للأقمار الاصطناعية اختراق السماء الملبدة بالغيوم. وفي مارس الماضي، استهدفت إيران قواعد وسفارات أميركية في الشرق الأوسط بمساعدة قمر اصطناعي اشترته سراً، بحسب تقارير، من الصين عام 2024. وأسفرت الضربات عن مقتل وإصابة عسكريين أميركيين في قواعد عدة، ودمرت مساكن للقوات وحظائر طائرات ورادارات وطائرات ومعدات أخرى. وعند اتخاذ قرارات بشأن كيفية بناء القواعد والمنشآت وأماكن إقامتها، يجب على مخططي الدفاع الأميركيين تصميمها بما يتناسب مع واقع يستطيع فيه الخصوم مراقبة الأصول العسكرية واستهدافها من الفضاء.
ووفقاً لـ «مستكشف بيانات الفضاء» في معهد «أميركان إنتربرايز»، يوجد نحو 16.800 قمر صناعي في المدار اليوم، أي أكثر من عشرة أضعاف العدد قبل عقد. ولا يلتقط معظمها صوراً للأرض، بل يؤدي وظائف اتصالات أو أغراضاً أخرى. كما أن العديد من الأقمار التي تلتقط الصور تنتج صوراً ضبابية منخفضة الدقة تُستخدم لمتابعة الطقس أو الزراعة. وفي الأيام الصافية، تكشف تلك الصور بسهولة مواقع الطائرات وغيرها من المعدات العسكرية الموجودة على الأرض.
وفي مارس الماضي، تعرضت خمس طائرات أميركية لإعادة التزود بالوقود لأضرار كبيرة، ودمرت طائرة للقيادة والسيطرة وهي على الأرض. وستكلف إصلاح هذه الطائرات أو استبدالها مئات الملايين من الدولارات. كما استهدفت إيران أنظمة رادار باهظة الثمن في مناطق بالشرق الأوسط، ما دفع الولايات المتحدة إلى الإسراع بإرسال بدائل إلى قواعدها وشركائها في المنطقة. وفي البحرين، كان الضرر الذي لحق بالمنشآت البحرية الأميركية بالغاً لدرجة أنه قد يؤثر في القرارات الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية في المنطقة لسنوات.وقد تكرر هذا النمط في أنحاء الشرق الأوسط، حيث إن خسارة المعدات العسكرية في الحروب أمر حتمي، لكن بإمكان مخططي الدفاع اتخاذ المزيد من الإجراءات لحمايتها من التكنولوجيا المتقدمة. ويتعين على الولايات المتحدة أن تتعلم الدروس التي أظهرتها الضربات الإيرانية الأخيرة قبل أن تترتب على صراع مستقبلي عواقب أكثر تدميراً.
ويدرك الجيش الأميركي القوة والمخاطر التي يفرضها انتشار صور الأقمار الاصصناعية التجارية. فمنذ عام 2001، كانت الولايات المتحدة تشتري حقوقاً حصرية للصور التي توفرها هذه الأقمار، لمنع خصومها من الوصول إليها. لكن تعدد مقدمي الخدمات اليوم يجعل هذا الحل غير قابل للتطبيق، كما أن الولايات المتحدة نفسها تستفيد من ذلك، إذ يتيح هذا التوسع في قطاع الأقمار الاصطناعية لها أيضاً تتبع كل شيء، من الأسطول البحري الصيني إلى مهابط الطائرات التي يستخدمها مهربو المخدرات.
وينبغي أن ينعكس ذلك الواقع الجديد على مستويات التخطيط الدفاعي الأميركي كافة، بما يشمل كيفية إنشاء القواعد العسكرية، وترميم المنشآت، وتوزيع المعدات والأفراد. وبناء على ذلك، تعكف روسيا والصين على بناء أعداد كبيرة من ملاجئ الطائرات المحصنة، لأنهما تدركان خطر الأقمار الاصطناعية عند اقترانها بالصواريخ أو الطائرات المسيَّرة.
أما الولايات المتحدة، فتترك طائراتها الفاخرة مرتفعة التكلفة بشكل روتيني متوقفة في العراء. ورغم تمتع القواعد الأميركية بأنظمة دفاع جوي وإنذار مبكر متطورة، إلا أن تناقص مخزونات الذخيرة يجعل الاعتماد الكلي على هذه الدفاعات رهاناً غير مأمون العواقب. وبجانب التطورات الضرورية في مجال أنظمة اعتراض الطائرات المسيَّرة منخفضة التكلفة، قد تحد المنشآت المحصنة من الأضرار وتشكل حاجزاً يحجب الطائرات عن أعين أقمار العدو الاصطناعية، إذ يمكن للتدابير الدفاعية المتقدمة أن تخلق حالة من الغموض والتمويه، مما يحول خطة الهجوم الواثقة إلى مجرد تخمين مكلف.
أما فيما يتعلق ببقية مرافق القاعدة، فيمكن نقل المنشآت الثابتة، كمراكز القيادة والسيطرة، إلى مواقع تحت الأرض، بينما توفر الحواجز الخرسانية والمباني المحصنة حماية أفضل للمنشآت التي يتعين بقاؤها على السطح. ورغم أن هذه الممارسات لن تغني عن أنظمة الدفاع الجوي، إلا أن تحديث آليات الحماية والتمويه البري يُعد خياراً مسؤولاً في ظل تزايد التنافس والتهديدات في الأجواء بسبب الطائرات المسيَّرة والصواريخ الحديثة. لقد أجبر انتشار صور الأقمار الاصطناعية الجيوش على إخفاء ما تستطيع إخفاؤه، وحماية ما لا يمكن إخفاؤه، في مواقع أبعد بكثير عن خطوط المواجهة الأمامية مقارنة بأي وقت مضى.في ساحة المعركة اليوم، يتعين على الولايات المتحدة أن تخوض القتال واضعة في اعتبارها أن الجميع يراقبها.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إيلين ماكوسكر* وبرادي أفريك**
*القائمة السابقة بأعمال وكيل وزارة الدفاع، وزميلة أولى في «معهد أميركان إنتربرايز».
**محلل للأبحاث في «معهد أميركان إنتربرايز»، متخصص في تحليل صور الأقمار الاصطناعية.
إقرأ المزيد


