«سالم الدلال» صوت المزاد.. 17 عاماً ينادي على السمك ويقدّر أثمانه في سوق الفجيرة
‎الإمارات اليوم -

تصل الصناديق محملة بالأسماك على متن مركبات الصيادين إلى سوق سمك الفجيرة، وما إن توضع أمام الباعة حتى ينطلق صوت تنبيه من مكبر الصوت الذي يحمله الإماراتي سالم محمد عبدالرحيم البلوشي (60 عاماً)، إيذاناً بفتح المزاد، فيتجمع المشترون حوله، وتبدأ المزايدة على الأسماك الطازجة القادمة من البحر، فيما يتولى البلوشي تقدير السعر الذي ينطلق منه البيع، قبل أن ترفعه عروض المتنافسين تدريجياً.

وتفصيلاً، قال البلوشي لـ«الإمارات اليوم»، إنه يعمل دلالاً في سوق سمك الفجيرة منذ أكثر من 17 عاماً، لكن علاقته بمهنة الدلالة بدأت منذ صغره، عندما كان يراقب الدلال الإماراتي عبدالله بن سليمان، رحمه الله، ويجلس بالقرب منه ليتعلم منه أصول المهنة وتفاصيلها، قبل أن يعمل معه لاحقاً، ويكتسب على مدى السنوات خبرة في السوق، حتى أصبح يتولى افتتاح المزاد اليومي في سوق سمك الفجيرة.

وأوضح أن خبرة الدلال بالسوق تمكنه من تقدير قيمة الأسماك المعروضة وتحديد السعر المناسب لبدء المزايدة، فإذا قدر، على سبيل المثال، أن قيمة كمية من الأسماك تصل إلى نحو 1000 درهم، فقد يفتتح المزاد عليها بـ 700 درهم، ثم يرتفع السعر تدريجياً مع مزايدات الباعة حتى ترسو على أحدهم.

ويبدأ البلوشي يومه بعد صلاة الفجر، إذ يعد دلة القهوة قبل أن يتوجه إلى السوق، ويستهل صباحه بالجلوس مع أصدقائه من الصيادين القدامى، وتبادل الأحاديث معهم، قبل أن تبدأ حركة البيع والمزاد، فيما يواصل عمله حتى إغلاق السوق عند الساعة 12 ظهراً، ثم يعود إليه عصراً ليبدأ فترة عمل جديدة تمتد حتى الساعة 10 مساءً، في روتين يومي جعله يعرف الصيادين والباعة والمتسوقين، ويعرفون هم بدورهم صوته وطريقته في إدارة المزاد.

وأوضح أن طريقة البيع لا تسير على نمط واحد، وإنما تختلف باختلاف نوع الأسماك وكمياتها ومدى توافرها والطلب عليها، إذ تباع بعض الأنواع بالحبة، وأخرى بالكيلو، فيما تتأثر الأسعار بعوامل عدة، من بينها الظروف الجوية ومواسم الصيف والشتاء وكميات الصيد التي تصل إلى السوق.

وأضاف أن قيمة المبيعات تختلف بدورها بصورة كبيرة بحسب كميات الصيد، فقد تصل في بعض الأحيان إلى نحو 50 ألف درهم، فيما قد لا تتجاوز في أوقات أخرى 5000 درهم، مشيراً إلى أن الكميات التي يجلبها الصيادون هي التي تحدد حجم المعروض وحركة البيع في السوق.

ويصف البلوشي سوق سمك الفجيرة بأنه يتميز بوصول الأسماك إليه طازجة مباشرة من البحر، وبعضها يصل حياً، مؤكداً أن الصيادين الشباب يخرجون بصورة يومية ويزودون السوق بصيدهم، الأمر الذي يجعل أنواعاً مختلفة من الأسماك متوافرة على مدار اليوم، حتى إن النوع الذي قد لا يجده المتسوق صباحاً يمكن أن يجده عند عودته مساءً.

وتتصدر سمكة الكنعد، بحسب البلوشي، طلبات أهالي المنطقة، إلا أن زبائن السوق لا يقتصرون على سكان الفجيرة، إذ يقصده مشترون من دبي وأبوظبي وإمارات أخرى لشراء كميات من الأسماك، وقد ينفق بعضهم نحو 3000 درهم في الزيارة الواحدة، إلى جانب المطاعم التي تشتري احتياجاتها بصورة يومية.

ويرى البلوشي أن إقبال المشترين من إمارات مختلفة يرتبط بجودة الأسماك التي تصل إلى سوق الفجيرة، قائلاً إن «سمك الفجيرة من ألذ الأسماك في الدولة».

ولا تخلو أيام السوق من مواقف تجمع بين الجد والطرافة، بحسب البلوشي، إذ يدخل أحياناً في نقاشات مع كبار السن بسبب ارتفاع أسعار بعض الأسماك، وقد يغضب أحدهم أثناء المساومة، قبل أن يعود ويعتذر، لتبقى العلاقة بينهم كما كانت، مؤكداً أن رئيس جمعية صيادي الفجيرة، محمود حسن سليمان آل علي، تربطه به علاقة طيبة ولم يقصر معه طوال فترة عمله في السوق.

ويستعيد البلوشي طفولته في «الفريج القديم»، حيث كان يلعب كرة القدم مع أصدقائه بين المنازل التي ظلت أبوابها مفتوحة للجيران، مشيراً إلى أن بعض رفاق تلك المرحلة لايزالون على قيد الحياة، فيما رحل آخرون، مضيفاً «الحمد لله، كانت الأمور طيبة في هذه الإمارة الطيبة التي احتضنتني ولاتزال تحتضنني».

وعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على وجوده في السوق، لا ينظر البلوشي إلى «الدلالة» باعتبارها مجرد مهنة، إذ يقول إنها منحته شبكة واسعة من الصداقات تمتد من الفجيرة إلى المرفأ وأبوظبي والشارقة وسلطنة عمان ومناطق أخرى، لافتاً إلى أنه لا يعتبر نفسه وحيداً بلا أهل، إنما كل من في الدولة هم أهله.

ويجد البلوشي في دخول المواطنين الشباب إلى سوق السمك والعمل في بيع الأسماك أمراً إيجابياً، لافتاً إلى أن وجود المواطن بين العاملين في السوق يسهل تواصل الأشخاص معه، ويجعلهم سعداء بوجود ابن البلاد يعمل بينهم في هذه المهنة، فيما أصبح هو نفسه، بعد سنوات طويلة من «الدلالة»، وجهاً معروفاً لدى مرتادي سوق سمك الفجيرة.

وبين صوت المزاد الذي يفتتح به البيع صباحاً، ودلة القهوة التي تسبق وصوله إلى السوق، يمضي البلوشي يومه في مهنة بدأ يتعلمها صغيراً وهو يجلس إلى جوار دلال إماراتي قديم، قبل أن يصبح بعد سنوات هو الصوت الذي ينتظر الباعة سماعه لبدء مزاد جديد.

. طريقة البيع لا تسير على نمط واحد، وإنما تختلف باختلاف نوع الأسماك وكمياتها، ومدى توافرها والطلب عليها.

تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news

Share
فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App


إقرأ المزيد