جريدة الإتحاد - 9/20/2026 12:18:59 AM - GMT (+4 )
وكأن أبوظبي على موعد سنوي مع المعرفة والتنوير، واللقاءات النادرة بالكُتّاب وصُنّاع الإبداع؛ موعد يتجدد في مناخٍ مفعم بالفعاليات الاستثنائية والأنشطة المعرفية التي ناهزت الألف وخمسمائة فعالية. فالمعرض في كل عام -وهذا بفضل فطنة مركز أبوظبي للغة العربية- يرتدي زياً جديداً يدهش كل من يدخل أكنافه وأروقته المديدة؛ فما إن تلج أبوابه حتى تدهشك تصاميم المنصات المختلفة التي تحاكي حواضن المعرفة وفواعلها، تلك التي أرست دعائمها دولة الإمارات مبكراً. فأنت، ومنذ أن تدلف عتبات المعرض، تشعر بأنك مشحونٌ بالفضول، وبحالةٍ من التواصل المعرفي تعتريك لحظة دخولك؛ تتفاعل مع دور النشر والإصدارات الجديدة، والمحاضرات والتصاميم المدهشة، وتُحلّق في فضاءٍ شعريّ يعبر بك من بحر الثقافة حتى منصة «دون كيخوته»، ومن مجالس الشعر إلى جناح ضيف شرف المعرض لهذا العام، وهي «دول البلقان» وثقافاتها العريقة.
وبين تلك الأبعاد، تجد نفسك في حضرة «الخليل بن أحمد الفراهيدي» الشخصية المحورية للمعرض وضيفها الوازن، ترافقك قيثارةٌ ظلّت تصدح بألحانها لتحيطك بشيء من السلام والرقة. عملياً، يجد الزائر نفسه في غمرة كرنفال ثقافي مسوّر بأزهار المعرفة التي تتدلى من كل منصة معرفية يمر بجوارها أو دار نشر، فتغويه بصنوف الكتب والمخطوطات والروايات الجديدة والعريقة على حد سواء.
وفي المعرض أروقةٌ لدور نشر، ومؤسساتٍ ثقافية، ودوائر ومكتباتٍ أخذت على عاتقها حماية المخطوطات العربية النفيسة والنادرة. كما يشهد المعرض محاضراتٍ تطرح أسئلة العصر حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، وسؤال اللغة العربية والرقمنة والترجمة؛ في مشهدٍ يبدو فيه التراث حياً بيننا، لم تطمسه الحداثة بعد.
وبالعودة إلى شعار المعرض لهذا العام، وكما ذكر الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، فإن المعرض حقاً قد «قلب الصفحة»؛ إذ أقيمت الفعاليات بنجاحٍ لافتٍ رغم الظروف والتحديات التي دفعت العديد من معارض الكتاب الإقليمية والدولية إلى التأجيل؛ فأبوظبي تقرأ العالم، وتكتب القصص، وتروي الحكايات، وتطرب للشعر وفنونه، محتضنةً الإبداع الإنساني كله.
وإلى جانب ذلك، أفرد المعرض للطفل مساحةً استثنائية هذا العام؛ عبّر عنها من خلال الحكاية المشوّقة، والقراءة التفاعلية، والورش الإبداعية، وإطلاق كتب الصغار، في محاولةٍ حثيثةٍ لإثراء خيال الأجيال الناشئة، وتطوير ملكاتهم اللغوية، وفتح آفاق الاكتشاف المعرفي لديهم.
إن معرض أبوظبي جمهرةٌ ثقافية حملت إجاباتٍ لأسئلةٍ كثيرة، وشهدت لقاءاتٍ وصوراً لثقافاتٍ متنوعة؛ جعلت من المقروء والمكتوب متاحاً، حياً، وقريباً من القلوب.
فشكراً لأبوظبي، وشكراً لتلك العزيمة وذلك التنظيم، ولروح الوئام التي يغمرنا بها هذا المحفل الثقافي في كل عام.
إقرأ المزيد


