جريدة الإتحاد - 9/21/2026 9:17:58 PM - GMT (+4 )
مازلنا نعيش أجواء الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية، والذي تتواصل فعالياته بتوجيهات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، على مدار شهر كامل منذ 28 أغسطس وحتى 28 سبتمبر الجاري. وبهذه المناسبة، أطلقت مؤسسة التنمية الأسرية، ميثاق «على نهج أم الإمارات»، ليكون ميثاقاً وطنياً للمرأة الإماراتية، بتوجيهات أم الإمارات.
توقيت إطلاق الميثاق وحرص المؤسسة على تزامنه مع احتفالات الدولة بيوم المرأة الإماراتية لم يأتِ من فراغ، بل كان مخططاً ومدروساً، ترسيخاً لنهج القيادة الرشيدة التي لا تتوقف عند محطة الإنجاز إلا كنقطة انطلاق لما بعده، ومواصلة مشوار التفوق ومواكبة العصر وتقنياته، والإصرار على بلوغ القمة والتربع على عرشها بكل ثقة وجدارة. يستلهم الميثاق رؤيةَ سمو الشيخة فاطمة في تمكين المرأة وبناء الإنسان، ورغم أنه في ظاهره يعنى بالمرأة، لكن جوهره يعكس رغبة الارتقاء بكل مكونات المجتمع والاستفادة من أصحاب الخبرات، والمشاركة في إعداد أجيال واعية ومعتزة بهويتها الوطنية وقادرة على مواصلة مسيرة التنمية والازدهار، والتمسك بقيم الريادة والتمكين والمسؤولية الوطنية، إسهاماً في تحقيق رؤية دولة الإمارات وطموحاتها المستقبلية.
ومما يلفت الانتباه في هذا الميثاق، أنه لا ينظر إلى تمكين المرأة باعتباره غاية منفصلة عن منظومة المجتمع، بل يضعه داخل إطار أشمل، فالمرأة متعلمة مبدعة منتجة معتزة بهويتها، وفي نفس الوقت مسؤولة عن رعاية أسرتها وخدمة قضايا مجتمعها ووطنها.
وهنا تكمن أهمية الميثاق، فهو لا يضع المرأة أمام الاختيار ما بين النجاح المهني أو الأسرة، لكنه يدفعها لتحقيق التوازن بين طموحها ومسؤوليتها، وبين الإنجاز الشخصي والدور الاجتماعي، فالمرأة التي تنجح في عملها وتبني أسرة مستقرة وتشارك في خدمة مجتمعها، هي بالتحديد النموذج الذي تريده الإمارات شريكاً في مسيرتها. فالأسرة المتماسكة، هي أساس المجتمع، واستقرارها ليس شأناً خاصاً بها وحدها، وإنما ركيزة من ركائز الاستقرار الوطني، والمعادلة التي يقدمها الميثاق تقوم على التكامل بين الدورين، بحيث تصبح المرأة قادرة على العطاء في بيتها ومجتمعها ووطنها في آن واحد.
والمدهش أن الميثاق الذي يدعونا للتمسك بالجذور وتعميق الهوية الوطنية، لا يعود بنا إلى الماضي إلا من أجل المستقبل، حيث ينبه المرأة الإماراتية إلى أن ما تحقق من مكتسبات ليس نهاية الطريق، وإن المحافظة على الإنجازات لا تقل أهمية عن تحقيقها، والأجيال الجديدة مطالبة بأن تحمل الراية وتضيف إليها.
وعلى المستوى الشخصي، أتمنى التوقفَ والتأمل فيما طرحه الميثاقُ، بتركيزه على الترابط بين الأجيال والاستفادة من خبرات كبار المواطنين وحكمتهم. وهذه نقطة شديدة الأهمية في زمن تتسارع فيه المتغيرات، فالمرأة الإماراتية، وفق هذا التصور، ليست مجرد مستفيدة من إرث الأجيال السابقة، وإنما هي أيضاً جسر تنقل من خلاله القيم والخبرات والذاكرة الوطنية إلى الأبناء والأحفاد.
يتضمن الميثاق ثماني التزامات وطنية تشكل مرتكزات لمسيرة المرأة الإماراتية، وتمثل خريطة طريق تجمع بين الأصالة والمعاصرة، والانفتاح على التميز والابتكار، وبين العطاء الوطني والطموح الشخصي، لتكون المرأة شريكاً فاعلاً ومؤثراً في مسيرة التنمية المستدامة التي تشهدها الإمارات.
الدلالة الأعمق في عنوان الميثاق هي عبارة «على نهج أم الإمارات»، فلا شك في أن سمو الشيخة فاطمة، ومنذ زمن بعيد، تربعت على عرش قلوب أبناء الإمارات من الجنسين، عرفاناً وتقديراً لدورها الرائد وعطائها الكبير الذي ساهم فيما حققته نساء الدولة من إنجازات، ومن ثم يكون منطقياً وطبيعياً أن يسعى الجميع للاقتداء بسموها والسير على نهجها والمضي قدماً في طريقها نحو العلى بكل اعتزاز وافتخار.
والنهج هنا يشير إلى منظومة من القيم التي ارتبطت بمسيرة أم الإمارات في دعم المرأة ودفعها للتفوق، خاصة وأن سموها مصدر إلهام لكل امرأة تطمح إلى العطاء والإنجاز. ولم تتوقف رحلة عطاء سموها منذ أوكل لها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، هذه المهمة، حيث كانت، ولا تزال، على قدر المسؤولية، فبرؤيتها الملهمة تحولت طموحات المرأة إلى واقعٍ ملموس، وتبوأت أدواراً ريادية في مختلف الميادين.
الميثاق في جوهره، عهد جديد بأن يستمر العطاء على النهج ذاته: تمكينٌ يحفظ الهوية، ونجاحٌ لا ينسى الأسرة، وريادةٌ تقترن بالمسؤولية، ومستقبلٌ تبنيه المرأة الإماراتية وهي تحمل في وجدانها إرث «أم الإمارات» وتطلعات وطنها، وعبره تواصل الإمارات ترسيخ مكانتها نموذجاً فريداً عالمياً في تمكين المرأة.
إقرأ المزيد


