جريدة الإتحاد - 9/21/2026 9:37:57 PM - GMT (+4 )
صادف تكريمُ سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، حفظه الله لمعالي الدكتور حمدان مسلم المزروعي أهلَه، وحلَّ من الرجل محلَّه، فأثار في نفسي ذكرى عهدٍ يمتد زهاء عشرين عاماً. وإذا بي أعود إلى ذلك اليوم الأول، يوم قادتني لطائف الأقدار إلى مقابلة أكاديمية، فجلست بين يدي رجلٍ أصبح له في مسيرتي أثرٌ بعيد الغور، فقد كنت يومئذ شابًّا أتهيأ للمضي في العلوم والدراسات الإسلامية، وأحسب أن غاية ذلك اللقاء سؤال يُلقى، وجواب يُرتجل، ثم ينصرف كلُ امرئٍ إلى سبيله، فلما دخلت المجلس، ووقعت عيني على معالي الدكتور حمدان مسلم المزروعي، وكان آنئذٍ رئيساً للشؤون الإسلامية والأوقاف، أحسست بأنني بإزاء رجل قد روّضته التجارب، فهو يتلقى حديث الشاب في رفق، وينفذ من عبارته إلى دخيلته، ويزن مخايل النبوغ فيه بميزان المعرفة، وقد جرت تلك المقابلة رخيّة السياق، استكشافية السؤال، ثم رفع إليّ وجهاً طلقاً وقال: «يا عمر، ادعُ لي»، فدخلت كلمته قلبي.
خرجت من المقابلة، وخرج معي خيط خفي مدته الأيام حتى صار صحبة عقدين، وكلما انعقدت منها حلقة انكشف لي من الرجل معنى جديد، فهو بصير بالرجال، عليم بمخابئ المواهب، يدرك في الفتى ما يغيب عن الفتى نفسه، ثم يدنيه، ويجعل له نصيباً من المجلس، ويقحمه في ميدان العمل، ويرقبه بعين الأستاذ الذي تسره نجابة تلميذه. وقد شملني من عنايته ما أطوّق به عنقي شكراً، فألحقني بمكتبه بعد التخرج، وأطلعني على دقائق إدارة الخطاب الديني، وأخذ بيدي إلى المحراب والمنبر، حتى غدوت أقرأ في إشراقة وجهه، حين يرى إماماً مواطناً قائماً في الناس، سرور الغارس بالشجرة يوم ترفع رأسها إلى الشمس، فقد أحب أن يرى أبناء الإمارات حملةً للعلم، أمناء على الكلمة، تعلو سمتهم قيم الدين، وتجري في عروقهم عزة الوطن.
وبيني وبينه من حديث الفكر والأدب مجال رحب، وكنت أشعر بتشجيعه في ذلك، يروقه ما أكتب، ويستحسن رأيي في كثير من الأطاريح، وربما وقعت عينه على عبارة لي فرددها مستملحاً جرسها، أو عرضت عليه خاطراً فأصغى إليه، ثم أدار الحديث حوله في رفق، فيعود الخاطر إليّ وقد اتسعت جوانبه، وأشعرني ذلك التقدير بقيمة الكلمة وسداد الفكرة، فإن إعجاب رجل خبر العلم والإدارة بما يخطه قلم ناشئ يبعث في صاحبه قوة هادئة، ويجعله أشد تنقيحا لعبارته، وأحرص على أن يبلغ بما يكتب منزلة الظن الحسن الذي أودعه أستاذه فيه. وهكذا علمني بصنيعه أن رعاية الشباب فنٌ دقيق، قوامه أن تضع الثقة في موضعها، ثم تتركها تعمل في النفس عمل المطر في البذرة.
صحبته في السفر والحضر، فرأيته موصول الفكر بشؤون وطنه، إذا هدأ المجلس أخذ يحدثنا عن الإمارات، وعن حقها في أعناق أبنائها، وعن الأمانة الملقاة على من تصدى للخطاب الديني، ثم يفضي بنا الحديث إلى مسالك التطرف، فيكشف مذاهب دعاته في اقتناص الشباب، ويفتق عيوننا على ما يندس في ثنايا الشعارات من حيلة، وما يتوارى خلف الحماسة من هوى، حتى تعلمنا منه أن صيانة الدين تقتضي عقلاً يقظاً، وأن محبة الوطن عهد يُؤدى في صحة الفكرة ونزاهة الكلمة وحسن القيام بالواجب.
وقد نزل بي، أيام الطلب، عارض صحي أضناني، فبلغ خبره الدكتور حمدان، فأقبل وصحبني بنفسه إلى المستشفى، وظل قريباً مني، يتفقد أمري ويسأل عن حالي، حتى سكنت الروعاء واطمأن القلب، وعندها عرفت أن عنايته بالشباب تمتد إلى ما وراء قاعات الدرس ومكاتب العمل، وأنهم عنده أبناء عهد ورعاية. وقد رأيت هذا الشأن يتكرر مع غيري، يفتقد الغائب، ويسند المتعب، ويقيل عثرة المتردد، فتأتي أبوته عفو الخاطر، جارية على السجية، كالماء ينساب إلى الأرض الواطئة من غير أن يستدعيه أحد.
ومن صحب الرجل طويلاً أدرك أن هذه الخلال تستمد ماءها من مدرسة القيادة الإماراتية، فقد نشأ وفي نفسه إجلال عظيم لها، وأخلص في تمثل رؤيتها، ثم صرف سِنيّ خدمته في تنزيل تلك الرؤية على مواقع العمل، فله في الجامعة يد التخطيط والتأسيس، وفي الجوامع عين المتابعة والتشييد، وفي خطبة الجمعة أثر التنظيم والتطوير، وفي المذهب المالكي جهد التعليم والتمكين، وفي ميدان القيم والهوية الوطنية غراس لا تزال ثماره تتكاثر. وعلى يديه وأيدي إخوانه مضت تجربة الإمارات في الخطاب الديني على هدى وبصيرة، فأبرزت سماحة الإسلام، ووطدت أسباب التعايش والسلام، وطهّرت المنابر من غوائل التحزب، وردت الدين إلى صفائه، والوطن إلى عزته ورفعته، والإنسان إلى كرامته.
ثم دنت بي الصحبة منه في ميدان العمل الإنساني ثلاث سنوات، فرأيته أعرف بشعابه، وألطف مسلكاً في تدبيره، إذ اتخذه موضوعاً لأطروحته في مرحلة الدكتوراه، ثم قضى في خدمته ستة وعشرين عاماً، حتى اختلط العلم فيه بالخبرة، وصارت وجوه المحتاجين صفحات كتاب مفتوح بين عينيه. يأخذه ألم المعسر، ويؤذيه انكسار صاحب الحاجة، فيسعى في قضائها سعي من يطفئ جمرة في صدره، ويبذل عطيته خفية هينة، وعنده أن صون وجه الفقير بعض الصدقة، وأن جبر الخاطر تمام الإحسان.
ولبرج الخير في سيرته موضع يشف عن طويته، فقد أوقف جزءاً من ريعه على وجوه العطاء، فجرى خيره في حياة الناس، فكم أعطى من مكروب، ويسر حاجة معسر. وهكذا غدا اسمه وصفاً لصاحبه، فالدكتور حمدان نفسه برج خير، يأوي إلى ظله من عرفه، ويبلغ من عطائه من قصده.
ويرجع هذا الصفاء إلى منابعه الأولى، إلى بره بوالديه ووفائه لهما وقيامه على خدمتهما، ثم يفيض في توقيره للرموز الوطنية، وفي صلاته الوثيقة بكبار العلماء والمفكرين وقادة الأديان. وهو إلى ذلك أديب الحس، يتذوّق الشعر ويقوله، ويأنس بالحكمة، ويستخرج من المعاني أشرفها، فإذا جرى الحديث في مجلسه امتزج الفقه بالأدب، واصطحب العقل والذوق، وأقبلت الفكرة في حلة من البيان.
تلك صلتي بحمدان مسلم المزروعي، بدأت بمقابلة حسبتها ساعة من نهار، فإذا بها تمتد في عمري عشرين عاماً، وتصبح مدرسة في العلم والعمل والوفاء، وإذا بالرجل يقف في محطات رحلتي: يدلني على أول الطريق، ويفتح لي باب المنبر، ويشد يدي في ساعة المرض، ويقرأ ما أكتب بعين المحب، ويستحسن من رأيي ما يستحسن، ثم يمضي في خدمة القيادة والدين والوطن، عالي الهمة، ندي اليد، وارف الظل. ولعل في الصدر بقية من حديثه، فمثل هذه الصحبة أوسع من مقال.
*رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة.
إقرأ المزيد


