جريدة الإتحاد - 9/21/2026 11:59:50 PM - GMT (+4 )
المشهد يشتعل من جديد، وذلك ليس فقط لما يدور بين «الحوثي» والشقيقة المملكة العربية السعودية، والفوضى العارمة حول مضيق المندب تزامناً مع ما يدور في مضيق هرمز، وتحركات سياسية وعسكرية واضحة للعيان وخلف الكواليس، تمثل قفزة انتقالية مصيرية ومثيرة للاهتمام من جميع المؤثرين في المشهد السياسي والعسكري في المنطقة، مما سيعيد حتماً رسم قواعد الصراع وليس خريطة المنطقة فقط في الفترة القادمة، وبالتالي لم تعد احتمالات اتساع الحرب في الشرق الأوسط مجرد سيناريو افتراضي تطرحه مراكز الدراسات، بل أصبحت المنطقة أمام مشهد عسكري بالغ الخطورة تتداخل فيه الحرب الأميركية- الإيرانية مع عودة الجبهة اليمنية، ومضيق هرمز وباب المندب، ومصالح إسرائيل، وأمن الطاقة العالمي، إلا أن قراءة المشهد تقتضي الفصل بين ما حدث فعلاً وبين ما لا يزال في دائرة الاحتمال والتخطيط العسكري.
وقد كانت عودة واشنطن في الأول من سبتمبر الجاري لتنفيذ موجة واسعة من الضربات ضد مواقع إيرانية شملت الرادارات والدفاعات الجوية والمنشآت البحرية والاتصالات وقدرات زرع الألغام، وأكثر من خمسين ألف عسكري أميركي كانوا منتشرين في المنطقة في حالة جاهزية قتالية مرتفعة، مما يعد مؤشراً محتملاً لشن عمليات فرق القوى الضاربة من قوات النخبة، وهو الحراك الوحيد الذي سوف يشفع للرئيس ترامب شن حرب لم تنتهِ بنتيجة حاسمة، ولم تُزل الخطر أو تحيِّده واقعياً، والأخطر هو انتقال مركز الثقل تدريجياً نحو اليمن. التقدم «الحوثي» على ساحل البحر الأحمر والسيطرة على مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب أدخلا عاملاً جديداً في المعادلة. فإذا كان إغلاق أو تعطيل هرمز يمنح إيران قدرة على الضغط على شرق الجزيرة العربية، فإن تهديد باب المندب وخطوط التصدير غربه يخلق كماشة جيوسياسية واقتصادية حول الخليج.
تجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة يصعب تحديد نهايتها هو هدف محسوم للجميع، وما يجري وما سوف يحدث سيقود لمعاهدة سلام أكبر في المنطقة، وتعطيل بحث دول المنطقة لبدائل دفاعية ودبلوماسية واقتصادية وتجارية، لكونه تهديداً للأمن والتمركز الجيوسياسي للولايات المتحدة الأميركية، وهو حراك له ارتباط وثيق بكل ما يجري، وسيتم الدفع في النهاية إلى نقاش خليجي أوسع مع طهران وغيرها من اللاعبين المؤثرين في المنطقة، وبما يخدم مصالح أميركا ومن يعد صمام الأمان لوجودها في المنطقة في المقام الأول.
ومع ذلك، قد يتغير الحساب الأميركي سريعاً إذا أصبح باب المندب مغلقاً بصورة مستدامة، أو تعرضت القوات والسفن الأميركية لهجمات مباشرة، أو تعطلت صادرات الطاقة على نطاق واسع. وهنا قد تنتقل الولايات المتحدة من الدعم الاستخباراتي إلى حملة جوية وبحرية ضد الحوثيين شبيهة بحملة 2025 أو أوسع منها. لكن من المهم الإشارة إلى أن مسؤولين أميركيين قالوا هذا الشهر إنه لا توجد حالياً خطة معتمدة لاستئناف الضربات المباشرة ضد «الحوثيين»، وإن التفاهم الأميركي-الحوثي الذي توسطت فيه عُمان ما زال عاملاً مهماً في الحسابات.
أما إيران، فاحتمال العمليات البرية ضدها لا يمكن استبعاده، لكنه لا يعني بالضرورة غزواً شاملاً على طريقة العراق عام 2003. التحركات العسكرية السابقة والتقارير الأميركية تحدثت عن خيارات تشمل قوات خاصة وعمليات محدودة للسيطرة على مواقع استراتيجية، خصوصاً الجزر والمواقع المرتبطة بمضيق هرمز، بدلاً من احتلال إيران. وبعد أكثر من ستة أشهر من الحرب، لم يقع حتى الآن غزو بري واسع للأراضي الإيرانية. من جانب آخر، لا يمكن تجاهل التوقيت الانتخابي في قراءة الحرب والتطبيع العربي–الإسرائيلي، بما أن انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر 2026، ونتنياهو يسعى لولاية سابعة، والاستطلاعات الحالية لا تعطي أي معسكر طريقاً مضموناً لتشكيل الحكومة. وفي الولايات المتحدة: انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر 2026، أي بعد الانتخابات الإسرائيلية بأسبوع واحد فقط. سيُنتخب كامل مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ تقريباً. والانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة ستكون في نوفمبر 2028، انتخابات 2026 ليست رئاسية، لكنها ستحدد ميزان القوة في الكونجرس خلال النصف الثاني من ولاية ترامب.
كما أن الحرب مع إيران لم تعد بالنسبة للناخب الأميركي قضية سياسة خارجية فقط، ذلك لأن ارتفاع أسعار الوقود أصبح قضية انتخابية داخلية، وتشير الاستبيانات إلى تزايد استياء الناخبين من أسعار البنزين وتكاليف المعيشة المرتبطة بالحرب، في وقت بدأ فيه التصويت المبكر بالفعل، وهذا يخلق تناقضاً في حسابات ترامب. فهو يحتاج إلى إظهار القوة والقدرة على فرض نتيجة سياسية على إيران، لكنه في الوقت نفسه لا يستفيد انتخابياً من حرب مفتوحة ترفع أسعار النفط والبنزين وتستنزف القوات الأميركية من دون نتيجة واضحة. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن استخدام التهديد بالتصعيد العسكري للوصول إلى صفقة سياسية قبل أن تتحول الحرب إلى عبء أكبر في انتخابات 3 نوفمبر؟
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


