جريدة الإتحاد - 9/21/2026 11:59:58 PM - GMT (+4 )
برز تاريخ قطاع التعليم في عمومه حقيقةً مفادها أن التعليم الأكاديمي لطالما كان منفصلاً ومختلفاً عن التعليم المهني، الأمر الذي وضع العديدَ من القيود الوظيفية على خريجي التعليم المهني. لكن «عولمة» الاقتصاد والتجارة، والتغيرات المتسارعة في أسواق العمل، وتزايد التركيز على التعلم مدى الحياة، وتحول الدول المتقدمة إلى «الاقتصاد القائم على المعرفة».. كلها عوامل تدفع هذه الدول إلى سد الفجوة بين التعليم المهني والتعليم الأكاديمي. ولذا نجد العديد من دول العالم وقد قامت بإنشاء مسارات أكاديمية واضحة ومرنة لخريجي التعليم المهني الراغبين في الحصول على درجات جامعية عليا. وهنا نعرض ثلاثة نماذج لذلك الربط.
فعلى المستوى الأوروبي، نجد توجهاً استراتيجياً شاملاً لمواءمة أنظمة التعليم هناك مع أطر المؤهلات الوطنية المرتبطة بإطار المؤهلات الأوروبي. وعلى سبيل المثال، تطبق كلٌ من ألمانيا والنمسا «نظاماً مزدوجاً» يدمج التميز المهني في صلب التعليم العالي، إذ تتيح «جامعات التكوين المزدوج» للطلاب إمكانية الحصول على درجة البكالوريوس واكتساب مؤهلات مهنية متقدمة في آن واحد. ويهدف هذا النظام إلى إزالة الفوارق بين النظرية الأكاديمية والتطبيق العملي، مما يضمن تمتع كلا المسارين بمكانة اجتماعية ومهنية متكافئة.
أما في أستراليا وكندا، فهناك اتفاقيات قائمة على نظام تعليم مرن وقوي يتيح نقل الساعات المعتمدة والربط الأكاديمي بين مؤسسات التعليم المهني ونظيرتها في التعليم العالي. وتضمن هذه الاتفاقيات للطالب الحاصل على دبلوم مهني إمكانيةَ الانتقال المباشر إلى السنة الثانية أو الثالثة من برنامج البكالوريوس الجامعي ذي الصلة. ويُسهم هذا النظام في تقليص المدة الزمنية اللازمة للحصول على الدرجة العلمية، وتجنب تكرار المحتوى التعليمي، مما يعود بفوائد كبيرة على الطالب.
وعلى المستوى الآسيوي، نجحت دول عدة في معالجة الفجوة بين التعليم المهني والتعليم العالي، من خلال تعزيز مكانة التعليم المهني ذاته. ومثال ذلك، قيام الصين على نحو منهجي بتحويل العديد من الكليات التقنية إلى جامعات تقدم برامج دراسية تطبيقية. وتمنح هذه المؤسساتُ المتخصصة درجاتٍ علميةً رفيعةَ المستوى (البكالوريوس والماجستير) تركز كلياً على المهارات المهنية المرتبطة بالتقنيات المتقدمة، مثل التصنيع المتطور والذكاء الاصطناعي.
ويعزى نجاح تلك الدول في تجسير الفجوة بين التعليم المهني والتعليم العالي إلى عوامل عدة، في مقدمتها ثلاثة رئيسية. العامل الأول تبني نظام الساعات المعتمدة، من خلال وضع آليات واضحة وشفافة لتحويل الخبرات العملية والشهادات الفنية إلى ساعات معتمدة جامعية. والعامل الثاني هو التعاون البيني المؤسسي القائم على تشكيل لجان مشتركة لتطوير المناهج الدراسية تضم الجامعات ومؤسسات التعليم التقني والمهني؛ وذلك بهدف مواءمة مخرجات التعلم في القطاعين. أما العامل الثالث، فهو التصميم المرن للتعلم، من خلال توفير جداول دراسية مرنة تشمل أنظمة التعلم القائمة على الوحدات التعليمية، والدوام الجزئي، والتعلم المدمج، بما يلائم احتياجات خريجي التعليم المهني العاملين. ويقودنا ذلك كله إلى تساؤل حيوي، له علاقته بمستقبل سوق العمل وارتباطه بقطاعي التعليم المهني والتعليم العالي، ألا وهو: هل هناك فجوة بين التعليم العالي والتعليم المهني ينبغي تجسيرها؟
*باحث إماراتي
إقرأ المزيد


