حين يصبح العقل ثروة الأمة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ليست ثروة الأمم فيما تملكه من أرض ومال وموارد فحسب، بل فيما تنتجه عقول أبنائها من معرفة، وما تحسن تحويله من هذه المعرفة إلى قدرة وقرار وإنجاز. فقد تمتلك أمة من الأمم موارد واسعة ثم تعجز عن تحويلها إلى نهضة، وقد تضيق موارد أمة أخرى، لكنها تصنع من الإنسان أعظم مواردها، فتتقدم لأنها عرفت أن العقل هو أصل العمران، وأن المعرفة هي القوة التي تعيد تشكيل الواقع وتفتح أبواب المستقبل.
إن المعرفة ليست مجرد تراكم للمعلومات، بل هي قدرة على الفهم، وعلى اكتشاف العلاقات بين الأشياء، وعلى طرح السؤال الصحيح قبل البحث عن الجواب. ومن هنا لا يكون المجتمع عارفاً بكثرة ما يختزن من بيانات، وإنما بقدر ما يستطيع أن يحول ما يعرفه إلى أثر. فالمعلومة إذا لم تتحول إلى وعي تبقى ساكنة، والوعي إذا لم يتحول إلى قدرة يبقى ناقصاً، والقدرة إذا لم تتجه إلى خدمة الإنسان والعمران قد تتحول إلى قوة بلا معنى ولا هدف.
 لهذا ينبغي أن نعيد تعريف مفهوم التقدم نفسه. فالتقدم ليس كثرة المنشآت ولا سرعة التقنية وحدهما، وإنما هو قدرة المجتمع على إنتاج الإنسان الذي يفهم العالم من حوله، ويتفاعل مع تحولاته، ويشارك في توجيهها. ومن هنا يبرز السؤال الأول في هذا الصدد: هل نقيس قوة المجتمعات بما تملكه اليوم، أم بما تستطيع عقولها أن تنتجه غداً؟
إن التعليم هو المجال الأول والأهم الذي تظهر فيه قيمة المعرفة. فالتعليم الذي يكتفي بتلقين الإجابات يصنع ذاكرة، أما التعليم الذي يعلّم الإنسان كيف يسأل ويحلل وينقد ويبتكر.. فإنه يصنع عقلاً واعياً. والمستقبل لن يكون لمن يحفظ أكثر، بل لمن يستطيع أن يتعلم باستمرار، وأن يعيد بناء مهاراته وتشكيل رؤيته كلما تغير العالم من حوله.
وهنا يطرح نفسَه السؤالُ الثاني في الصدد ذاته: هل نريد من مؤسساتنا التعليمية أن تنقل المعرفة، أم أن تصنع القدرة على إنتاجها وتطويرها؟
 إن هذا التحول ضروري للغاية، لأن التنمية في جوهرها فعل معرفي قبل كل شيء. وذلك لأن الاقتصاد يحتاج إلى الابتكار، والإدارة تحتاج إلى البيانات، والصحة تحتاج إلى البحث، والسياسات العامة تحتاج إلى فهم الواقع، واستشراف المستقبل يحتاج إلى عقل قادر على قراءة ما وراء الأحداث.. إلخ. ولهذا فإن المعرفة ليست قطاعاً من قطاعات التنمية، بل هي البنية العميقة التي تمنح القطاعات كلها قدرتَها على التطور والنمو والابتكار والتجدد.
غير أن المعرفة لا تكتمل إلا بامتلاك القيمة والمعنى والهدف أيضاً. فالعلم يستطيع أن يمنح الإنسانَ قدرةً غير مسبوقة، لكنه لا يخبره دائماً كيف يستخدمها بالشكل الصحيح والمثمر والمتسق مع القيم والمبادئ الأخلاقية والقواعد الاجتماعية. ومن هنا تحديداً يحتاج التقدم العلمي والتقني إلى بوصلة أخلاقية توازن بين الممكن والواجب، بين المنفعة والمسؤولية، بين سرعة الابتكار وكرامة الإنسان.
 وهنا يأتي السؤال الثالث المهم في الصدد ذاته: ما قيمة أن نعرف أكثر إذا لم تجعلنا المعرفةُ أكثر حكمةً ومسؤوليةً وقدرةً على صناعة الخير العام؟
إن مستقبل الأمم يبدأ حين تدرك أن أعظم استثمار ليس في الأشياء وحدها، بل في العقول التي تعرف كيف تستخدم الأشياء، وتعيد ابتكارها، وتتجاوزها.. وحين يصبح العقل ثروة الأمة، تصبح المعرفة طريقها إلى القوة، والتنمية ثمرة لها، والمستقبل مجالاً للفعل لا زمناً للانتظار.


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة



إقرأ المزيد