جريدة الإتحاد - 10/9/2026 11:25:13 PM - GMT (+4 )
في 30 سبتمبر الماضي تم الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، في وقت يستعد فيه عدد من كبريات الشركات الأميركية لتنفيذ 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم تم توقيعها في يوليو الماضي، وتهدف لاستثمار نحو 60 مليار دولار، تشمل مشاريعَ في قطاعات النفط والغاز والكهرباء والبنية التحتية والاتصالات والتكنولوجيا. وهذا إضافةً إلى استثمارات قائمة بقيمة 28.7 مليار دولار تشكِّل المشهدَ الاقتصادي والتجاري بين البلدين.
واللافت في هذا المجال أن حماية الاستثمارات الأميركية في العراق، أصبحت قضيةً اقتصاديةً سياسية أكثر منها قضية عسكرية، إذ أن واشنطن لم تعد تملك حماية ميدانية مباشرة للشركات، ولكنها لا تزال تملك أدوات نفوذ قوية عبر الدبلوماسية والنظام المالي متمثلا في الدولار، وعقود الطاقة والدفاع والتأمين والاستثمار الخاص.
وهكذا يمكن الانتقال من «الحماية العسكرية» إلى «الحماية التعاقدية»، وهذا يعني أن عقود الاستثمار الجديدة يجب أن تشمل ضمانات أمنية من حكومة بغداد، وآليات تعويض في حال تعرض المشروع لهجوم أوتعطل قسري، مع اللجوء للتحكيم الدولي عند حدوث نزاع، وضمان حرية تحويل الأرباح والعملات، وحماية الأصول والمنشآت وخطوط الأنابيب، وكذلك التأمين ضد المخاطر السياسية والحرب والإرهاب. وهذا مع العلم بأن الحكومة العراقية تعهدت بأن تتولى قواتُها مسؤوليةَ مكافحة الإرهاب وحماية البلاد، مع استمرار التعاون العراقي الأميركي في مجالات التدريب والاستخبارات ومكافحة الإرهاب.
وتشير بعضُ التقارير إلى أن شركات الطاقة الأميركية في العراق تستطيع أن تتحمل مخاطر أمنية، لأسباب عدة تعود إلى طبيعة المشاريع النفطية والغازية، كونها تتضمن استثمارات طويلة الأجل، وعوائد مرتفعة القيمة، وقدرة هذه الشركات على شراء التأمين الأمني الذي ترتفع قيمتُه مع ارتفاع المخاطر. لكن الخطر الأكبر هو في ارتفاع «علاوة المخاطر»، فالمستثمر لا يسأل فقط كم سيحقق المشروعُ من أرباح، بل يسأل أيضاً عن احتمال تعرض المشروع للتوقف أو الهجوم أو المصادرة أو التأخير أو عدم دفع المستحقات.
ومن الطبيعي أن يترك خروجُ القوات الأميركية مِن العراق فراغاً أمنياً يمكن أن تستفيد منه الفصائل المسلحة. وهنا تبرز معادلةٌ دقيقة: كلما ازداد نفوذُ هذه الفصائل وأصبحت خارج سيطرة الدولة العراقية، يرتفع الخطر على الاستثمار بشكل عام، وخصوصاً الاستثمار الأميركي. وفي المقابل، كلما نجحت بغداد في احتكار السلاح وتعزيز سلطة الدولة، انخفضت المخاطرُ وارتفعت جاذبية العراق للاستثمار الأميركي. ولذا فسيكون مستقبل الاستثمارات الأميركية اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها.
ويستدل من كل ذلك على أن نهاية الوجود العسكري في العراق ليست نهاية للوجود الأميركي، وإذا كان في الماضي جزء من المخاطر الأمنية يتحملها هذا الوجود العسكري، فان جزءاً أكبر من هذه المخاطر سينتقل إلى الدولة العراقية والشركة والمستثمر وشركات التأمين والشركاء المحليين. وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للحكومة العراقية، فإذا استطاعت تحويل الاستقرار الأمني والسياسي إلى ضمانة لتنمية الاستثمار، فإن خروج القوات الأميركية يمكن أن يتزامن مع دخول أوسع لرأس المال الأميركي، وإذا لم تستطع تحقيق ذلك، فسيكون العراق خاسراً في المدى المرئي على الأقل.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية
إقرأ المزيد


