التطوع المؤسسي.. من ثقافة العطاء إلى صناعة الأثر
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في دولة الإمارات، لم يكن العطاء يوماً سلوكاً عابراً أو فعلاً موسمياً، بل قيمة أصيلة في وجدان المجتمع، ومسيرة وطن آمن منذ تأسيسه بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة. ومن هذا المنطلق، انتقل العمل التطوعي من المبادرات الفردية المتناثرة إلى فضاء أرحب من التنظيم والتخصص والاستدامة، وأصبح التطوع المؤسسي مساراً مهماً لترجمة المسؤولية المجتمعية إلى ممارسة عملية.
وقد جاء «عام المجتمع 2025» تحت شعار «يداً بيد» ليمنح هذه المسيرة زخماً وطنياً استثنائياً، ويؤكد أن المجتمع شريك أصيل في التنمية لا متلقٍّ للخدمات فحسب. ولم يعد السؤال: كم متطوعاً شارك؟ بل: ما الأثر الذي تركه هذا العطاء في حياة الناس؟
التطوع المؤسسي ليس مجرد إتاحة الفرصة للموظف للمشاركة في نشاط مجتمعي، بل ثقافة تتبناها المؤسسة وتدمجها في قيمها وممارساتها، ليضع موظفوها خبراتهم في خدمة المجتمع، طبيباً كان أو مهندساً أو أكاديمياً أو خبيراً في الإدارة والاتصال والقانون والتقنية. وهو بذلك يخدم المجتمع، ويعزز انتماء الموظف، ويمنح المؤسسة بعداً إنسانياً يتجاوز مؤشرات الأداء التقليدية.
ومن هنا تأتي أهمية مبادرة «في وقتك بركة» التي أطلقتها وزارة تمكين المجتمع في أبريل 2026 بالتعاون مع الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية ومؤسسة الإمارات، لترسيخ التطوع في الجهات الاتحادية، مع توثيق الساعات واحتسابها ضمن نقاط تحفيزية في منظومة إدارة الأداء.
أدركت الإمارات مبكراً أن استدامة التطوع تحتاج إلى أكثر من الشغف: تشريعات تحمي المتطوع، وسياسات تنظم علاقته بالجهة المستضيفة، ومنصات تيسّر وصوله إلى الفرص. فجاء القانون الاتحادي رقم (13) لسنة 2018 في شأن العمل التطوعي، وأضافت أبوظبي في يناير 2026 «سياسة العمل التطوعي المعدلة» التي حددت حقوق المتطوع وواجباته، وأقرت مسارات متنوعة تشمل التطوع المؤسسي والتخصصي والافتراضي والتطوع في حالات الطوارئ.
وفي أكتوبر 2025 أُطلقت «منظومة التطوع والمشاركة المجتمعية» باستراتيجية وطنية تستهدف 600 ألف متطوع نشط، و15 مليون ساعة تطوعية، وزيادة عدد مؤسسات النفع العام المرخصة بنسبة 30%، مع «صندوق تمكين مؤسسات النفع العام» بقيمة 100 مليون درهم.
وسجلت أبوظبي خلال عام المجتمع أكثر من مليوني ساعة تطوعية بقيمة اقتصادية تجاوزت 146 مليون درهم، بمشاركة نحو 30 ألف متطوع، وأكثر من 3394 فرصة تطوعية، غير أن هذه الأرقام لا تختصر القيمة الحقيقية؛ فخلف كل ساعة إنسان منح وقته، وخلف كل رقم أثر ربما غيّر حياة أسرة. والاستثمار في التطوع هو استثمار في رأس المال الاجتماعي، ذلك الرصيد غير المرئي الذي يجعل المجتمع أكثر تعاوناً وثقة بقدرته على صناعة مستقبله.
مؤسسات النفع العام جسر بين احتياجات المجتمع وطاقاته، وهي شريك في التنمية لا مكمّل للعمل الحكومي والخاص. ومن تجربتنا في جمعية واجب التطوعية، لمسنا أن رفد هذه المؤسسات بكفاءات متطوعة متخصصة يصنع فارقاً حقيقياً؛ فهي لا تحصل على ساعات فحسب، بل على معرفة تبقى وتطوّر أداءها لسنوات. وهنا يصبح التطوع بناءً للقدرات لا مجرد تقديم للخدمات.
وتتكامل في التجربة الإماراتية أدوار الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والمتطوعين، فيغدو الأثر أكبر من مجموع الجهود الفردية. وتأتي التكنولوجيا، ومنها منصة «متطوعين.إمارات 2.0»، وسيلة لربط المتطوع المناسب بالفرصة المناسبة، فيما يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً أوسع لفهم الاحتياجات وقياس نتائجها.
وتتطلب المرحلة المقبلة التركيز على أربعة مسارات: توسيع قاعدة المشاركة، ولا سيما بين الشباب والناشئة. والتوسع في التطوع التخصصي والمؤسسي. وتطوير منظومات قياس الأثر بما يتجاوز عدد المتطوعين والساعات. وتعزيز الشراكات، فالتحديات المعاصرة لا تعالجها مؤسسة واحدة.
وطموح الإمارات ليس أن تكون من أكثر الدول تطوعاً فحسب، بل من أكثرها قدرة على تحويل التطوع إلى أثر قابل للقياس وثقافة راسخة، يصبح فيها الموظف متطوعاً، والمؤسسة شريكاً، والمجتمع صانعاً للحل لا منتظراً له.
فالإمارات دولة اقتصاد ونماء، ودولة خير وعطاء؛ تبني بيد، وتعطي باليد الأخرى، وترفع البنيان، وتُعلي الإنسان.


* رئيس مجلس إدارة جمعية واجب التطوعية



إقرأ المزيد