جريدة الإتحاد - 10/18/2026 12:22:00 AM - GMT (+4 )
كثيرة هي الأشياء الجميلة التي نعود بها في حقائب سفرنا، ونستودعها الذاكرة إلى حين، منها المواقف الإنسانية، وحالات من النُبل والفروسية التي لا تستطيع إلا أن تتوج بها رأسك، ونماذج من الشخصيات والنفوس البشرية تعينك على تقويم الروح، والسعي باتجاه تطهرها، لكن من بين تلك الأشياء التي تخطر على بالك بعد سنوات من الترحال، وتستدعيها من أماكنها في الذاكرة، أصغر تفاصيل تلك الضحكات والنوادر، وساعات التجلي والانبساط، وحين يكون القلب أخضر على الدوام، ولا تُبالي بما أكلت وشربت وسهرت وتعبت في مشيك الليلي يحاذيك ظلك على الطرقات في هلسنكي التي تنام مبكراً مع الدجاج:
- كنّا مرة في زيارة لفنلندا ذلك البلد الراقي في كل شيء، والذي يعد سقف العالم حين تطرح قيمة الإنسان وقيمه، ومعنى المسؤولية الاجتماعية، وأخلاقيات المجتمع المتحضر، بلد لو سألت كم قانوناً وضع للمحافظة على الحيوانات الأليفة لأصابك العجب، يمكن أن يكون لديهم قانون يخص النوم في الحدائق، وقانون عن درجة القرع على باب جارك في الأوقات المختلفة، وقانون يحذر من اللعب في الأنف أثناء وخارج الدوام الرسمي، وغيرها من الأمور، كأن يمنع عليك استعمال صوت منبه السيارة أو ماسح زجاجها أو كل ما يمكن أن يؤذي غيرك.
في البداية لاحظت بعض التململ ظاهراً على الأصدقاء، وبدا لهم أن البلد لا يساوي سمعته العالمية، وأنه بعيد عن السياحة التي تخيلوها حينما تُذكر الدول الإسكندنافية، وما وصلت إليه من «التحلل والتفسخ» على رأي الذين يقرأون ولا يفقهون، ويحاسبون الدنيا والناس والحياة من منظور ذكوري وأنثوي، والزائر لهذه الدول لا يرى إلا ما يعتقده أهلها أنه طبيعي وحرية شخصية، فإذا ما مارست المرأة الرياضة لا يُشْبِر الناس ملابسها، بل تحترم لأنها تحافظ على صحتها الفردية، وبالتالي تسهم في رقي الصحة العامة.
المهم.. بدأ أصدقاء السفر يتذمرون، ويقارنون بينها وبين لندن، ويتندرون أن ليس فيها «سوالف وبهانس»، ولا تستطيع التحدث مع أي امرأة إلا بمنتهى الأدب والرقي، فبدأ صديقنا «محواث الضو» بدايته المعهودة: «يا خسارة هذا اللبس اللي لابسينه، إلا ولا واحدة قَبّلت صوبنا، ولا قالت لنا وين وجوه الركاب»؟ فتحول سؤاله، ومكنونات أنفسنا إلى جلسة تندر، فأول ما لفت نظري ارتداء «محواث الضو» لحذاء جلد تمساح، وصديق آخر جلد أفعى، والبقية من ما تضع الأَنْعَام على ظهورها وفي بطونها، وكأننا فريق حضر تواً من عاصمة أفريقية، فقلت مغاضباً الصديق الذي يحب «الجخ»: أشعر بازدراء هذا الشعب لنا، ليس بسبب لون أو جنس أو معتقد، ولكن بسبب قبولنا انتهاك وإبادة حيوانات راتعة في الغاب، لكي نلبس أفخر الأحذية، ونتباهى، وهم لا ينظرون للشخص لطول سيكاره أو سيارته أو قميصه الحريري، ولولا اعتبارات إنسانية لكانوا سفّروك من «الضحى العود»، لأن في رقبتك على الأقل ستة حيوانات نادرة.
لَبد الجميع، وظلوا يفكرون في الماعز الكشميري والثعلب السيبيري، وفرو المنك، والجنجيلا، والدب القطبي، وما أكل السبع، وقررنا منذ أن استخبرنا أن الجماعة هنا يمقتون قاتلي الحيوانات، والذين ينعمون بأصوافها وجلودها، أن نغير من طباعنا، واكتشفنا كذلك أن مشيتنا تختلف حين ننتعل من جلد الذئب القيوط أو من الزاحفات على بطونها، فتميل حركتنا في إيقاعها إلى حركة المستأذبين أو الزواحف، فرجعنا للأحذية الرياضية، ليس خوفاً من الغرامة والمصادرة، ولكن هنا البهدلة الاجتماعية أقسى من أي غرامات، كأن تكنس مدرسة ابتدائية في منتصف العام الدراسي أو تلقي دروساً إرشادية لنزلاء سجن جلهم من المهاجرين الذين جربوا التهريب لأول مرة، وأعتقد جازماً، وهنا الكلمة آتية من «الجزمة» أن لا أحد من رفقاء السفر إلى فنلندا جرب أن يأخذ معه تلك الأحذية التي تتبع حديقة الحيوانات العامة إلى أي بلد أوروبي، وبعضها ظلت في مخبأها المخملي الذي يشبه جحر الضب، وسكنت في الخزانات العلوية من دون أن نتأسف على سعرها أو نتذكرها للأبد.. بل بعضهم تبرأ منها براءة الذئب من دم يوسف.
إقرأ المزيد


