جريدة الإتحاد - 10/19/2026 12:54:02 AM - GMT (+4 )
قد تصبح السندات التقليدية المملة مثيرةً للاهتمام أحياناً. فمنذ يوليو الماضي، جرت تقلباتٌ لافتة، إذ قفزت أسعارُ الفائدة على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بمقدار نقطة مئوية كاملة، لتصل إلى مستويات لم تشهدها منذ أكثر من 20 عاماً. وبدأ هذا الارتفاعُ السريعُ في تكاليف الفائدة يتردد صداه في مختلف أنحاء الاقتصاد العالمي.
ويؤدي ذلك في الولايات المتحدة نفسها إلى ارتفاع أسعار الفائدة على كل شيء، مِن القروض العقارية إلى قروض الشركات الصغيرة. والأكثرُ إثارةً للقلق على الصعيد العالمي أن هذا الارتفاع يجعل خدمةَ الديون أكثر تكلفةً بكثير بالنسبة للحكومات المثقلة بالديون.
ومن المفارقات أن السندات الحكومية، التي كانت تُعدُّ الملاذَ الآمن الذي يلجأ إليه المستثمرون عندما تضطرب أسواقُ الأسهم، أصبحت هي نفسها مصدراً لتأجيج حالة مِن الخوف وعدم اليقين.
وتتمحور تلك المخاوف حول احتمالية تعثر دولة أو أكثر عن سداد ديونها. لكن هذه الدول ليست من الحالات المعتادة التي تتبادر إلى الذهن عادةً، أي الدول النامية ذات الاقتصادات الضعيفة والتأثير المحدود، بل يتعلق الأمر بدول كبرى ومتقدمة.
وقال صندوق النقد الدولي في تقرير صدر الثلاثاء إن الأسواق ظلت مستقرةً العام الحالي، محذراً من أن «عودة التضخم أو تصاعد المخاوف المالية قد يؤديان إلى ارتفاع حاد في عوائد السندات السيادية وإثارة اضطرابات أوسع في الأسواق». وتظل السندات الحكومية، خصوصاً الأميركية، محورية للاستقرار الاقتصادي.
لكن مديونية الولايات المتحدة تفوق مديونية فرنسا، وإنْ كانت تتمتع بمزايا عدة. فالاقتصاد الأميركي ينمو بقوة، بينما يعاني الاقتصاد الفرنسي ضعفَ النمو. ولذا، ورغم ارتفاع مدفوعات الفائدة الأميركية بوتيرة أسرع من نظيرتها الفرنسية، فإنها تنمو بوتيرة أبطأ مقارنةً بحجم الاقتصاد ككل. ووفقاً لأبحاث شارك في إعدادها باري آيكنغرين، أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، تُعد نسبة مدفوعات الفائدة إلى الناتج المحلي الإجمالي مؤشراً أفضل للضغوط المالية من المقياس التقليدي الذي يقارن الدَّين بالناتج المحلي الإجمالي.
وبحسب صندوق النقد، دفعت فرنسا نحو 62.2 مليار يورو فوائدَ على ديونها الحكومية العام الماضي، ويتوقع أن ترتفع إلى 75.1 مليار يورو هذا العام و86.5 مليار في 2027. وهذا يعني زيادةً قدرها 39% في تكاليف الفوائد التي يتحملها دافعو الضرائب خلال عامين. وفي الولايات المتحدة، يُتوقع ارتفاعها بنسبة 34% خلال الفترة نفسها.
ويُعد الدولار عملةَ الاحتياط العالمية وركيزة لأنشطة اقتصادية كثيرة، وهو ما يتيح لواشنطن الاقتراضَ بفائدة أقل، وجذب أموال المستثمرين الأجانب إلى سنداتها وقت الأزمات، خصوصاً سندات الخزانة لأجل عشر سنوات.
وقال كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الشهر الماضي: «إنه الأصل الأهم في العالم، والأصل الخالي من المخاطر الذي ترتبط به أسعار كل أصل تقريباً».
لكن الارتفاع السريع في عائد السندات الأميركية يشير إلى أنها لم تعد خالية من المخاطر كما كانت، إذ يطالب المستثمرون بفائدة أعلى لشراء السندات التي تطرحها وزارة الخزانة في المزادات.
وتشمل الأسبابُ المحتملة التضخمَ المستمر، وارتفاعَ أسعار الطاقة، ومؤشرات قوة الاقتصاد، ومنافسة شركات الذكاء الاصطناعي على الاقتراض، وسياسة الاحتياطي الفيدرالي، ومخاوف الدين الأميركي، فيما يختلف المحللون بشأن العامل الأهم.
وقد يعزز الإقبالُ على السندات استقرارَ الفائدة، وربما يساعد النمو الأقوى على تخفيف الضغوط. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت، الشهر الماضي، إن نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 3% مع احتواء الإنفاق قد يسمح للبلاد بتجاوز مشكلة الديون عبر النمو.
لكن الثقة بقدرة الولايات المتحدة على السداد قد تتراجع، ولم يثبت بعدْ أن الذكاء الاصطناعي سيعزز إنتاجيةَ الاقتصاد الأميركي ونموه. وإذا استمر الدين الحكومي في الارتفاع أسرع من النمو الاقتصادي، فستشتد الضغوط.
وسيكون ذلك تحولاً كبيراً عن سنوات طويلة من الفائدة المنخفضة. وقالت غورغييفا إن صانعي السياسات تمتعوا بظروف مواتية نسبياً على مدى 17 عاماً، إذ ظلت الفائدةُ دون معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي. وأضافت مقتبسةً من مسلسل «صراع العروش»: «الشتاء قادم».
*صحفي وكاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
إقرأ المزيد


