جريدة الإتحاد - 10/19/2026 10:08:40 PM - GMT (+4 )
جرياً على عادتنا في التعبير عن روح التآخي والمودة الصادقة للأشقاء، تحتفي الدولة هذه الأيام بالنسخة الثانية من فعالية «الإمارات تحب العراق»، بحضور الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، تجسيداً لنهج الإمارات في الاحتفاء بالجاليات المقيمة على أرضها، وتعزيز التواصل والتقارب بين الثقافات والشعوب، وترسيخ قيم التسامح والتعايش والاحترام المتبادل.
ولعله من حسن الطالع، أن تنطلق الاحتفالات، فيما تدشّن بلادُ الرافدين مرحلةً جديدةً، مع إعلان القوات الأميركية في 30 سبتمبر الماضي انتهاءَ وجودها هناك، وإخلاء مواقعها وتسليمها إلى الجانب العراقي. وكان يمكن الاحتفاء بهذا الخبر الذي يؤكد استعادةَ العراق سيادتَه، لولا ما يرد من أنباء حول استقرار هذا البلد الشقيق.
وبكل تأكيد فنحن مع عراق كامل السيادة، ليستعيد دورَه العربي والإقليمي ومع ما يحفظ أمنَه واستقرارَه ويصون كرامةَ شعبه، لكن هذه الأمنيات الرومانسية لا يجب أن تلغي حذرَنا بشأن مدى قدرة الحكومة المركزية على ضبط الأمن والسيطرة على مقاليد الأمور، خاصةً في المناطق الحدودية الرخوة، مع إمكانية تسلل العناصر الإرهابية وإمدادها بالسلاح والذخيرة من أطراف لا تحمل للعراق والمنطقة إلا الشر.
خروجُ القوات الأميركية ربما يترك أثرَه على الوضع الأمني، خصوصاً في ظل ضعف إمكانيات أجهزة الأمن العراقية، وحاجتها العاجلة -وفق تقديرات الخبراء- إلى غطاء جوي ودعم لوجستي في ظل المساحة الشاسعة للأراضي العراقية وصعوبة التضاريس وتداخلها مع دول الجوار. ووفق هذه المعطيات فإن إيران -بلا جدال- سوف تتحرك لملء الفراغ والعمل على توسيع نفوذها داخل العراق.
الأمر لا يتعلق بالعناصر المرتبطة بإيران فقط، وقد أعلنت ابتهاجَها بالانسحاب الأميركي واعتبرته انتصاراً لها، لكن الأخطر تنظيم «داعش» الذي يكمن منذ سنوات ويتحين الفرصةَ للعودة مرة أخرى كي يتصدر المشهدَ. وبالفعل فقد بدأ نشاطَه الإرهابي على الفور، ولم تمضِ سوى أيام قليلة على انسحاب قوات التحالف الدولي، حتى تحركت الخلايا النائمة وعادت هجمات التنظيم الإرهابي لتضع العراقَ مبكراً أمام اختبار لمدى جاهزية قواته.
بعض الأجهزة الرسمية حاولت التهوينَ مِن عمليات التنظيم، وصدرت تصريحاتٌ على لسان الفريق سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني لمكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، قال فيها إن الأجهزة الأمنية سجلت «محاولتين أو ثلاثاً» لـ«داعش»، لكنها لم تكن مؤثرةً، مشيراً إلى أن التنظيم يحاول من خلالها الظهور والتركيز على الجانب النفسي والإعلامي.
قد يكون ذلك الطرح صحيحاً، ورؤية الأجهزة المحلية المعنية في محلها، فالتنظيم فقدَ الكثيرَ مِن عناصر قوته، ولم يعد باستطاعته بسطَ سيطرته على المدن والمناطق، لكن الحذرَ واجبٌ وأخذُ الحيطة أمرٌ ضروري، لأن «داعش» لا يزال قادراً على تنفيذ هجمات خاطفة، ولا يجب أن نتجاهل العواملَ التي يمكن أن تساعد التنظيم في إعادة بناء قدراته.
بيد أن هناك نقطةً جوهريةً، أحسب أن دورها سوف يكون حاسماً فيما تؤل إليه أوضاعُ العراق، إما بالاستقرار –الذي نأمله ونتمناه– أو الغرق -لا قدر الله- في الفوضى والاضطراب.
ورغم أنه ليس من عادتي التدخل في شؤون الداخلية للدول الشقيقة، وأتجنب الكتابةَ بالسلب عن قضايا محلية، فإن ما كُشف عنه النقابُ مؤخراً في العراق، وأُطلقت عليه «سرقة القرن»، مستفز إلى أبعد الحدود، خاصةً في ظل ما يعانيه الأشقاءُ من أوضاع، فحجم الفساد المعلن يصيب كلَّ مَن يتابعه بالصدمة والذهول.
وككرة الثلج، يوماً بعد يوم، تتكشف تفاصيلٌ جديدةٌ في القضية التي شغلت حديثَ المجالس والمنتديات العراقية. وبحسب التصريحات الرسمية، تجاوز حجمُ الأموال المنهوبة والأصول الضائعة جراء الفساد حاجزَ تريليوني دولار، منذ عام 2003 وحتى الآن. وبسبب الفساد تبخرت الإيراداتُ النفطية الضخمة التي تجاوزت مئات المليارات من الدولارات وذهبت أدراجَ الرياح.
ويصنَّف العراقُ ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم، حيث احتل المرتبة 157 عالمياً وفق مؤشر منظمة الشفافية الدولية، مما يؤكد أن البلاد تواجه معضلةً حقيقيةً، لا سبيل للخلاص منها إلا بالمواجهة القانونية الحاسمة، من دون تمييز أو استثناء أو انتقائية.
باختصار، لا نريد عراقاً تابعاً أو ضعيفاً، بل عراقاً قوياً مستقلاً في قراره، منفتحاً في رؤيته لما يحقق مصالحَه الوطنيةَ، ولحكومته القدرةَ على بسط سيطرتها الكاملة على ترابه الوطني، كي لا يتحول ساحةً للصراع أو منطلقاً للاعتداء على دول الجوار.. فالمنطقة لا ينقصها «داعش» لتَغرق في مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
إقرأ المزيد


