جريدة الإتحاد - 10/24/2026 10:07:59 PM - GMT (+4 )

استطاع ابن خلدون أن يحجزَ لنفسه مكانةً مرموقة في تاريخ الفكر الإنساني، وحظي على امتداد القرون بالاعترافِ العالمي به رائداً ومؤسساً لعلمِ الاجتماع، وبقي ما قدَّمه من نظريات ورؤى صحيحاً وقادراً على تفسير الظواهر الاجتماعية المعاصرة، ولا نزالُ نعودُ إلى «مقدمته» الفذة لفهم كثيرٍ من أشكال السلوك التي تواجهنا في يومنا هذا. ورغم أنه لم يستخدم حرفياً مصطلحات علم النفس الحديث كـ«الإسقاطِ النفسي» أو «الحيل الدفاعية»، فقد صاغ بدقةٍ الدوافعَ التي تُحرّك النفوس المأزومة وأنماطَ استجابتها للفشل، ولا سيما عندما تصطدم بنجاح الآخرين.
وتُثبت هذه القراءةُ الخلدونية لسلوك الأفراد والجماعات فاعليتَها وصدقها عند تطبيقها على ما نشهده في الواقع العربي الحالي، وخاصة على منصة «إكس» التي تزدحمُ بحملاتٍ منظمة وهجمات تتعرض لها دولة الإمارات العربية المتحدة من جانب جماعات «الذباب الإلكتروني»، وتُنتهك فيها كل القيم الإنسانية والثوابت الأخلاقية بالاعتماد على خليط من التضليل والبذاءات والأكاذيب التي لا تثبت أمام أي تمحيص.
ويفسّر التأصيل الخلدوني لسيكولوجية إلقاء الفشل على الآخرين السلوكيات الناجمة عن الشعور بالعجز والتعثر الفردي أو الجماعي من خلال عدد من المفاهيم، أولها أن «المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب»، أو ما يمكن تسميته «عقدة النقص والهروب»، حيث يرى العالم العربي الكبير أن النفس البشرية تقع فريسة للانكسار الداخلي إذا تملّكها شعور بالقهر أو الضآلة أمام طرف متفوق، وأن الشخص الفاشل أو المجتمع الفاشل يفقد القدرة على مواجهة الحقيقة، ويحاول حماية ذاته المهتزة من خلال إسقاط عجزه على الآخرين.
والمفهوم الثاني هو «العصبية» والتعصب للذات، فالبشر أفراداً وجماعات يميلون إلى تبرير أخطائهم بهدف الحفاظ على المكانة. وحين تتجلى إخفاقاتهم ويتفاقم فشلهم، فإنهم يرفضون الاعتراف بالواقع ويتعامون عن تراكم أوجه الخلل والضعف، ليكون اتهام الناجحين وتشويه إنجازاتهم هو وسيلتهم لتبرئة الذات والحفاظ على شعور زائف بالتفوق.
وثالث هذه المفاهيم هو «فساد العمران» و«أخلاق الاتكال»، إذ يقدم ابن خلدون تحليلاً لطبيعة أجيال الترف والدعة، التي يغلب عليها ضعف القدرة على التحمل والعمل الجاد، وطغيان الكسل والاستسهال، فالإنسان الذي اعتاد هذا النمط من العيش حين يُصدم بقسوة النتائج، يبحث عن مبررات خارجية، كالحظ أو المؤامرة، لتعويض عجزه، والهروب من مواجهة الحقيقة، وتجنُّب مشاق التغيير وإصلاح الذات.
وعند تطبيق هذه المفاهيم الخلدونية على ظاهرة الهجوم الرقمي على دولة الإمارات على منصة «إكس»، يتضح أن هذا السلوك ليس حراكاً نقدياً، بل «حالة تعويضية» تُصرَّف فيها شحنات الأحقاد. ففي ظل انكسار النفس أمام نجاح الآخرين، أو ما يمكن تسميته «المرآة القاسية»، يُستسهل إسقاط الفشل على الخارج، بدلاً من مراجعة أسباب التعثر المحلي في بعض البيئات، كالفساد وضعف التخطيط.
ووفقاً لما أشار إليه ابن خلدون من أن بيئات التراجع تضمحل فيها الشجاعة وتتآكل، فإن الاختباء خلف الحسابات الوهمية إنما يمثل صورة جلية للافتقار إلى الشجاعة، والتستر خلف الأقنعة الرقمية هو تجسيد للجبن الأخلاقي، حيث يدرك المغرد الوهمي هشاشة موقفه، فيستتر ليمارس التفريغ النفسي دون تحمل مسؤولية.
وفي السياق ذاته يمكن الرجوع إلى الفكرة الخلدونية بشأن «عمران البناء» مقابل «عمران الهدم»، إذ يتواجه في الواقع الحالي مسارٍ عملي تقوده دولة الإمارات بالتركيز على التنافس العالمي وصناعة المستقبل، ومسارٍ كلامي يقتصر على الصراعات والتشويه، وهو السلاح الوحيد لمن لم يقدم لشعبه شيئاً.
ومن الضروري هنا، التأكيد على أن التصدي لهذه الحملات لا يكون بالانجرار إلى السجالات العقيمة، بل بتطبيق القاعدة الخلدونية: «العمران الحقيقي والمنجز المادي هو القوة القادرة على دحض الشبهات وإبقاء الأثر»، وذلك في إطار استراتيجية شاملة للمواجهة تقوم على عدد من المحاور، وأولها هو المضي في طريق تعظيم المنجزات كماً وكيفاً، فأبلغ رد على منطق العجز والعاجزين هو تأكيد التفوق. ويتطلب ذلك تجاهل الهراء الرقمي، والسعي إلى شغل الفضاء الإلكتروني بالمحتوى التنموي الذي يركّز على المؤشرات الموثوقة، والخطط الناجحة، والمشروعات العملاقة، وقصص النجاح الكبرى.
والمحور الثاني للاستراتيجية هو المواجهة الفكرية والنفسية، وتفكيك خطاب العجز، من خلال الانتقال من موقف «المدافع الذي يبرر» إلى «المحلل الذي يشخص»، وكشف الجذور النفسية للحملات المغرضة، بوصفها أداة للهروب من استحقاقات التنمية، وفضح استخدام الأسماء المستعارة كإقرار ضمني بالضعف والجبن.
كما يلزم أيضاً، تعزيز الوعي المجتمعي وبناء «الحصانة الرقمية»، من خلال ترسيخ «عصبية إيجابية» قائمة على الانتماء الرشيد والاعتزاز بالهوية والمنجزات. ويتحقق ذلك بتوعية الشباب بأساليب التضليل وحيل الذباب الإلكتروني، إلى جانب إتاحة المجال لظهور صناع محتوى ومؤثرين يمتلكون المنطق والحجة للرد السريع المستند إلى البيانات والحقائق.
أما المحور الرابع للاستراتيجية فهو المحور التقني والقانوني، الذي يهدف إلى «تجفيف منابع التشويه»، من خلال تقويض المساحات التي تتحرك فيها الحسابات المسيئة عبر التعامل التقني الحازم (الحظر والإبلاغ) لتقليل وصولها، مع تفعيل الأطر القانونية والدولية لملاحقة الحسابات المؤثرة التي تستسهل القذف والتشويه وإطلاق خطاب الكراهية.
إن ما نراه اليوم من هجوم رقمي ونعوت سخيفة تستهدف التجارب الناجحة كالتجربة الإماراتية، ليس سوى فقاقيع صوتية تعبّر عن أزمة عجز داخلي. وكما قرر ابن خلدون، فإن الباطل يزول بالضرورة عندما يشتد ساعد العمران، فالمشاريع المستمرة والرؤية الواضحة والمجتمع المتماسك هي القادرة دوماً على إنهاء خطابات الإفلاس وإبقاء الأثر الحضاري الحقيقي.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


