جريدة الإتحاد - 10/25/2026 11:05:21 AM - GMT (+4 )
(محمد عبدالسميع)
يُعدُّ الماء رافداً ملهماً للأعمال الإبداعيّة الفنيّة والأدبية في الشعر والسرد والفنون التشكيلية والأدائية، فقد أثرى الوجدان الإماراتي بنصوص دخلت في عمق أفكاره وفلسفته، ليعكس في كل تجلياته طبيعة التفاعل اليومي والتاريخي للإنسان على أرض الإمارات مع هذه السيولة الحيوية، محققاً هدفاً أسمى لمعنى الاستمرارية في التجربة الإنسانية. وتأسيساً على ذلك، أكد نُخبة من الكتّاب والمثقفين والفنانين التشكيليّين لـ«الاتحاد» أن للماء حضوراً بارزاً في الحكاية التراثيّة والقصيدة واللوحة الفنية، موضحين أنّه لم يكن مجرّد مورد طبيعي لضمان البقاء فحسب، بل شكّل رمزاً وجدانياً ومحركاً إبداعياً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بذاكرة المكان، وتفاصيل الهوية، وأصالة الانتماء.
الذاكرة الشعبيّة
وينظر الباحث والكاتب فهد المعمري إلى الماء بصفته عنصراً حيوياً وبارزاً في التراث الإماراتي. فهو-وعلاوةً على كونه أساس الحياة- يُعدّ من مكوّنات ومصادر الإبداع في الأدب والفنون والذاكرة الشعبيّة، ويتجلى أثره بوضوح فيما نشهده ونطالعه من أعمال إبداعية، ولعلّ كون الماء باعثاً للحياة والعطاء والانتماء، قد انعكس إيجاباً على ارتباط الإنسان ببيئته، وعمّق احترامه لوجود هذا العنصر، وصولاً إلى صياغة الحكايات والقصص والأشعار حوله.
وفي السياق ذاته، يبرز حضور الماء بقوة في التكوين الشعري الإماراتي وكافة الأعمال السردية الأخرى، بالإضافة إلى الفنون التشكيلية والمسرحية. فقد ظلّ الماء في هذه الأعمال رمزاً خالداً للحياة والخصب، وحافزاً ملهماً يُغذّي مشاعر الانتماء، والشوق، والتعلّق الوثيق بالمكان. ويشير المعمري-في حديثه عن نظام الأفلاج التاريخي في الإمارات بوصفها وسيلةً لإدارة المياه وتوزيعها على المزارع والبيوت-إلى قيم التعاون والتكافل والوئام والعدالة المتأصلة في هذه الآليّة، وما يختلج في نفوس السقاة والمزارعين من مشاعر وهم يعيشون هذه الطقوس والأجواء على صوت جريان الماء بين النخيل، فليس غريباً إذاً أن ينعكس كلّ ذلك على القصائد والسرديات والمنحوتات وأعمال التشكيل التي ارتبطت بالأرض ارتباطاً وثيقاً. كما يسوق المعمري موضوع المهن البحريّة التي كان الماء وما يزال أساساً لها، مثل الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، والصيد، وصناعة السفن. وهي مهنٌ وأعمال لم تكن لتمرّ من دون أن ترفدنا بالكثير من الحكايات، والأهازيج، والأمثال، والمصطلحات البحرية، لنكون اليوم أمام أرشيف حيوي لأغاني وأشعار النهّامين، بل وفلسفة صاغها الأدباء للماء من خلال البحر ودلالاته النفسية المرتبطة باللقاء، أو الفراق، أو الغدر، أو الانسجام، في الشعر النبطي والفصيح على حد سواء، وفي شتى حقول الإبداع.
الرصيد الثقافي
وتقرأ الكاتبة مريم المزروعي الماء بمنظور إبداعي لدى الإنسان الإماراتي، مؤكدةً دوره الكبير في منحنا كل هذا الإنتاج الجميل، فهو ليس مورداً أساسياً للحياة فحسب، بل يشكّل جزءاً أصيلاً من ذاكرتنا الثقافية والاجتماعيّة، ويحضر على الدوام في تفاصيل المكان والإنسان والعلاقة القائمة بينهما.
وتشير المزروعي إلى أن الأفلاج، والآبار، والعيون، والواحات، تُعدّ بواعث لإبداعات رائعة تنطلق من الارتباط بالبيئة والأرض، ومما احتفظ به الآباء والأجداد ونقلوه للأجيال عبر الحكايات، والقصائد، والحِكَم، والأمثال، ليعبر الأبناء بدورهم عن هذا الموروث المتعلّق بالماء باعتباره الشريان الأساس للحياة، ومحور تجمّع الناس في المهن والأعمال والحضور الاجتماعي. وفي السياق ذاته، تذكر المزروعي الحياة الحافلة حول البحر ومن خلاله، متمثلة في رحلات الصيد، والسفر، والغوص، وما أفرزته هذه البيئة من إبداعات لأهل البحر في الأحاجي، والألغاز، والمفردات الشعبيّة التي نقلها الأدب التراثي فباتت جزءاً من رصيدنا الثقافي الغني والحضاري في دولة الإمارات. ولذلك، انطلق الشعراء، والمغنّون، والفنانون التشكيليّون يعيدون إنتاج مشاهداتهم للبحر، خصوصاً حين يرتبط بالرزق والحضور الذاتي، وكذلك الأفلاج وما يتصل بها من ابتكارات قام بها الإماراتيّون في تعاملهم مع المياه، ليتوزع الشعر والفن والسرد في هذا المجال بدلالات إنسانيّة تبرز قيمة الأدب والفن الذي تأسس على ثيمة الماء بين الأمس واليوم.
أخبار ذات صلة
مصدر ثراء
يرى الفنان فريد الريس أنّ الفنان ابن بيئته، فكل ما يراه ويتأمله ويرتبط به بشكل مستمر، سرعان ما ينتقل إلى مشاعره وتعبيره الأدبي أو الفني أو أيّ وجهٍ آخر من وجوه التعبير. فالماء-كما يقول-يمنح اللوحة التشكيلية عمقاً وإحساساً وجودياً، وقد ضمّنه شخصياً في أعماله بعد أن شدّته ألوانه وانعكاساته وحركته وتبدّلاته، مدللاً على ذلك بقوله تعالى: «وجعلنا من الماء كلّ شيءٍ حيّ». ويختم الفنان الريس حديثه مؤكداً أنّ ذاكرة الماء تُعدّ مصدر ثراء وجمال وعمق للأعمال التشكيليّة، والفنيّة عموماً، وفي شتى مجالات الثقافة والتعبير الإنساني.
الإحساس العميق
وأوضح الفنان التشكيلي فريد الريس، إنّ الماء ارتبط تاريخياً بدولة الإمارات بحكم موقعها على الخليج العربيّ، وهو ما منح الأجداد صيداً وفيراً، وكرّس مهنة الغوص والبحث عن اللؤلؤ في حقبٍ ماضية تركت بصمتها في ذاكرة الإمارات والخليج عموماً. ولهذا، كان الماء حاملاً لتجارة البحر، ووسيلةً للسفر إلى البلدان المجاورة واكتساب ثقافاتها.
المعاني والمضامين
وينطلق الكاتب محمد الحبسي من أنّ حضور الماء في التجربة الإماراتيّة كان ذا معنى أشمل وأوسع بالنسبة للفنان والأديب، في مدى استلهام كلٍّ منهما هذا العنصر وقراءة المعاني المتضمّنة فيه. ويؤكّد الحبسي أنّ الماء لم يكن مجرّد موضوع عابر يصفه المبدع، وإنّما هو نظام خفيّ يُنظِّم الحياة والذاكرة، فالفلج لا يروي الأرض فحسب، بل علّم الناس معاني إنسانية بليغة كالاقتسام والعدل. وبالمثل، لم يكن البحر مجرد أفق بصري ممتد، وإنّما شكّل مساحةً للرزق، والغياب، والمخاطرة، والانتظار، والعودة، وهي أبعاد نلمسها جلياً في كتابات المهتمين بهذا الجانب وقصائدهم وفنونهم. ويشرح الحبسي أنّ مفردات، مثل الموج، والسفينة، والبئر، والفلج، والمطر، تأخذنا نحو رموز عميقة تجسد الصبر، والحنين، وقيم الجماعة، والارتباط الوثيق بالمكان أو التعلّق به. ومن هنا، غدا كلّ ذلك بمثابة ذاكرة إبداعيّة حية، تشكّلت حولها قيم مجتمعية، وعلاقات إنسانية، ومشاعر أصيلة استمدت وجودها من هذا العنصر الحيوي.
إقرأ المزيد






