جريدة الإتحاد - 10/26/2026 12:17:35 AM - GMT (+4 )

في رحلة عودتي من كاليفورنيا، جلست في مقعد منزوٍ في قاعة رجال الأعمال، ووضعت في صحني برياني الدجاج الذي يشبه طبيخ بيتنا. وبعد لحظات جاء رجلان وامرأة، وسألني أحدهم بلطف: «هل يمكننا الجلوس إلى الطاولة المحاذية؟» فقلت له بالإنجليزية: «يا حيكم، الساعة المباركة وبكل سرور، المكان مكانكم، اقربوا تفضلوا حياكم الله ويا مرحباً الساع». كانوا لطفاء، فقد جلسوا بكل احترام يناقشون المؤتمر الذي حضروه، ويناقشون الدروس المستفادة، ويطرحون الأفكار النيرة، ولكن بتحفظ واقتضاب من مبدأ «لكل أمرٍ ثمنه».
كنت مستمعة جيدة، فالحديث يدخل من شبابيك الفلسفة ويغازل أفكار المستقبل من بابٍ مفتوح على مصراعيه. وفي سياق الحديث قالت السيدة ذات اللكنة الآسيوية المعتقة: «أنا وزوجي نملك شركة، وبدأنا نعمل في الخليج متخذين من الإمارات منطلقاً لعملنا المكوكي، ويبدو أنك جديد على هذا المجال يا سيد فارس». اعتدل الرجل في جلسته وقال لها بكل هدوء وسكينة: «إن كنتِ تعتبرين عشرين عاماً من العمل في الإمارات جديداً أو تنقصه الخبرة، فهذا أمر يعود إليك وربما يكون مفتوحاً للنقاش!».
استشعر الرجل المرافق شرارةً قد تؤدي إلى اشتعال نارٍ فقال: «ما رأيكما بقطعة من كيك الجبن؟» عاد فارس ليكمل جملته: «أعيش في الإمارات منذ أكثر من عشرين عاماً، وأجدها المكان المثالي واختياري الأول والأخير للعيش والعمل وتنشئة الأبناء. في كل يوم أنهض فيه من النوم وأسمع زقزقة العصافير، أحمد الله على نعمة السمع والهواء والإمارات، فالمكان آمن والبيئة محفِّزة، ولولاها أين سأعيش وكيف سأكون؟».
ما إن تنفَّس فارس بعد جملته الأخيرة حتى بادرت بالرد عليه: «نعم يا سيد فارس، فبالرغم من حضورنا إلى هنا منذ ثلاث سنوات، فإننا نشعر بالشعور ذاته، إذ لا تشبه الإمارات أي بلدٍ آخر زرناه حتى للترفيه أو الاستجمام. لقد انتقلنا مع أسرتنا الممتدة لنعيش حياة كريمة، وكان سؤالي مرتبطاً بمجال العمل في الذكاء الاصطناعي لا أكثر!».
للعارفين أقول: هذا الموقف علَّمني الصبر والالتزام، إذ لم أنبس بكلمة، وأدركت أن هناك من تعيش الإمارات في داخله، كما يوجد ما أسميه «متلازمة الإمارات»، وهي تتعلق بردود فعل من يسمعنا عندما نتحدث عن أمور ومبادرات وإجراءات تتبعها الإمارات، فينزعج البعض من ذلك، وكأننا عندما نذكر ما هو إيجابي لدينا نصنع فجوة غيابها في أماكن أخرى.
والأمر الآخر هو أننا، ولله الحمد، نسعى إلى خدمة الآخرين دائماً، لذا ندعو الله أن يوفق معالي لانا نسيبة في ترشحها لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، انطلاقاً من إيجابية النموذج الإماراتي، وسيكون لهذا المنصب دور في نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام العالمي.
إقرأ المزيد


