«كوب 31».. الكهرباء النظيفة في قلب العمل المناخي
‎جريدة الإتحاد -

«كوب 31».. الكهرباء النظيفة في قلب العمل المناخي

طه حسيب (أبوظبي)

من 9 إلى 20 نوفمبر المقبل، تستضيف مدينة أنطاليا التركية الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة للدول الأطراف الموقعة على الاتفاقية الإطارية بشأن تغير المناخ. كل قمة مناخية تترك أثراً يمكن البناء عليه، فمن «كوب 27» في شرم الشيخ ظهرت بقوة فكرة «صندوق الخسائر والأضرار»، وفي «كوب 28» كان «إجماع الإمارات» خطوة تاريخية في مؤتمرات الأطراف؛ لكونه أقر «الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة بشكل عادل ومنظم ومنصف». وفي باكو جاء «كوب 29» في أذريبجان ليؤكد أهمية التمويل في تحقيق خطوات عملية لكبح تداعيات التغيُّر المناخي. ومن غابات الأمازون، وتحديداً في مدينة بيلم البرازيلية، أثبت «كوب 30»، أن العالم لا يزال غير قادر على الاتفاق على خطة جماعية للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، ومع ذلك تميّزت النسخة الثلاثون من مؤتمر الأطراف بإطلاق «مرفق الغابات الاستوائية إلى الأبد» الذي يشكل آلية لتقديم مدفوعات تعتمد على النتائج لصالح الدول التي لديها غابات استوائية، خطوة غير مسبوقة في تعزيز العمل المناخي القائم على الطبيعة. وأيضاً بـ «وثيقة موتيراو العالمية» التي تطمح لتوحيد البشرية في تعبئة عالمية لمكافحة تغيُّر المناخ.

وعي عالمي ينضج 

في قمم المناخ العالمية، وتحديداً مع كل مؤتمر للأطراف، ينضج الوعي العالمي تدريجياً، ويقترب المفاوضون من لحظات الحقيقة، في ظل قناعة بأن العالم قل ملّ الحديث عن الوعود المناخية ويتطلع بعزم إلى نتائج ملموسة وخطوات قابلة للقياس. وضمن هذا الإطار، تمت صياغة مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين المقرر عقده في أنطاليا بتركيا خلال الفترة من (9 إلى20 نوفمبر2026) على أنه «مؤتمر الأطراف التنفيذي» - أي الانتقال من الوعود المناخية إلى العمل الحقيقي القابل للقياس على أرض الواقع.
في كوب 31 يزداد التركيز على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة وخاضعة للمساءلة، مع التركيز القوي على تمويل المناخ، والتكيف، والخسائر والأضرار، والانتقال العادل في قضايا الطاقة، وخاصة للمجتمعات الضعيفة. مكافحة التغير المناخي تحتاج تقديم النتائج، وليس مجرد الإعلان عنها. ويدفع القادة والمجتمع المدني إلى اتخاذ إجراءات ملموسة بشأن تمويل المناخ، والتكيف معه، ودعم مجتمعات الخطوط الأمامية، تحت شعار مفاده أن مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين ينبغي أن يتم الحكم عليه من خلال «الأشخاص الذين نحميهم» بدلاً من الوعود المتكررة.

أهداف «كوب 31»
زيادة نسبة الكهرباء النظيفة من إجمالي الطلب النهائى على الطاقة، هدف رئيسي لخطة عمل رئاسة «كوب31»، التي تسعى لرفع هذه النسبة من 20 في المائة إلى 35 في المائة بحلول عام 2035.
مراد كوروم، وزير البيئة والتحضر وتغيُّر المناخ التركي، الرئيس المعين لمؤتمر الأطراف «كوب 31»، أطلق يوم 9 يونيو الماضي، هدفاً جديداً للكهربة العالمية كمبادرة رائدة ضمن جدول أعمال رئاسة القمة المناخية العالمية في أنطاليا، داعياً إلى تسريع كبير في التحول من الاستخدام المباشر للوقود الأحفوري إلى الكهرباء النظيفة عبر المباني والنقل والصناعة.
 ويستند الهدف إلى تحليل من الوكالة الدولية للطاقة (IEA) والوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، وهو مصمم لدعم تنفيذ اتفاق باريس والمساعدة في إبقاء العالم على مسار يتوافق مع الحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة. والتزمت رئاسة مؤتمر الأطراف «كوب 31» أيضاً ببناء تحالف عالمي لتنفيذ الإجراءات الرامية إلى تحقيق هذا الهدف.
وتهدف القمة المناخية المقبلة إلى تقليل انبعاث النفايات وغاز الميثان، وذلك من خلال خفض نمو النفايات العالمية إلى النصف بحلول عام 2035، ضمن طموح يعد جزءاً من التركيز الموضوعي لمؤتمر الأطراف 31 على تحقيق (صفر نفايات). ويمثل هدر الطعام على وجه الخصوص 10% من الانبعاثات العالمية، خاصة من خلال غاز الميثان، وهو أقوى بـ 80 مرة من ثاني أكسيد الكربون باعتباره أحد الغازات الدفيئة.. وهذا الهدف يجعل إدارة النفايات جزءاً مهماً من إجراءات التخفيف من آثار التغيُّر المناخي. 
ومن بين أهداف «كوب 31» بناء مدن مرنة وموفرة للطاقة، حيث تسعى رئاسة «كوب 31» إلى خفض كثافة استهلاك الطاقة في قطاع البناء بنسبة 25 في المائة بحلول عام 2035، هدف يجعل المدن أكثر قدرة على الصمود في مواجهة تداعيات التغيُّر المناخي مع تحسين كفاءة الطاقة والتخيط الحضري. وتضع رئاسة المؤتمر «تعزيز التصنيع الأخضر» ضمن قائمة أهداف «كوب 31»، من خلال حفز الاقتصاد الدائري بزيادة نسبة استخدام المواد الدائرية في التصنيع والانتاج إلى 15 في المائة بحلول 2035. 
ويحظى التمويل المناخي بأهمية لدى رئاسة «كوب 31» ضمن هدف يطمح لتحويل المساهمات المحددة وطنياً إلى مشاريع قابلة للاستثمار، مع التأكيد على دور القطاع الخاص بالدول النامية، في مواجهة تكاليف التكيُّف رغم الموارد المالية المحدودة..

قرارات واقعية
 في 9 يونيو الماضي، حددت رئاسة «كوب 31» جدول أعمالها، الذي يركز على قرارات واقعية تشكل عملية التحول من بينها: اختيار الأسر للسيارات والأجهزة الكهربائية، والشركات التي تستثمر في العمليات الصناعية الكهربائية، والمدن التي تعمل على كهربة أنظمة النقل العام، وأصحاب المباني الذين يقومون بتركيب الألواح الشمسية والبطاريات والمضخات الحرارية.
 ويجب أن تكون عملية الكهربة مصحوبة بجهود أوسع نطاقاً للانتقال من استخدام الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة، وتوسيع توليد الطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الكهرباء وتخزينها، وزيادة فرص الحصول على الطاقة والدعم المالي للبلدان النامية.
في «كوب 31» يتم البناء على قرارات القمم المناخية السابقة، حيث يعتمد الهدف الجديد «عملية الكهربة» على سلسلة من التعهدات التكميلية المتفق عليها في مؤتمرات المناخ السابقة. وفي مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيُّر المناخ (COP28)، وافقت الدول على العمل من أجل مضاعفة قدرات الطاقة المتجددة ثلاث مرات والانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري. وفي مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيُّر المناخ (COP29)، دعمت الحكومات وأصحاب المصلحة الجهود الرامية إلى توسيع تخزين الطاقة وتحديث شبكات الكهرباء، ثم حددت هدفاً لتعبئة ما لا يقل عن 300 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2035 لتمكين العمل في العالم النامي. وشددت رئاسة مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيُّر المناخ (COP31) على أن هدف الكهربة يوفر الخطوة المنطقية التالية في هذا الهيكل العالمي لانتقال الطاقة من خلال المساعدة في ترجمة تلك الالتزامات إلى تغييرات في كيفية استهلاك الطاقة في جميع القطاعات الاقتصادية.

تقاسم الاستضافة
وفي تصريح خاص لـ «الاتحاد»، أكد مصطفى بيومي، زميل أبحاث في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، مدير مركز الدبلوماسية المناخية التابع للأكاديمية، المتخصص بمجالات الطاقة وتغيُّر المناخ والتنمية المستدامة، انعقاد مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31) وفق صيغة غير مسبوقة في تاريخ مؤتمرات الأطراف، إذ تتقاسم تركيا وأستراليا مسؤوليات الاستضافة، حيث تتولى تركيا ضمان الالتزام بالقواعد الإجرائية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ، من إعداد جدول الأعمال إلى اعتماد القرارات، إلى جانب الإشراف على «أجندة العمل»، التي تجمع قطاع الأعمال والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية. أما أستراليا فتتولى إدارة المفاوضات، وهو دور قيادي سياسي وتقني محوري، وإنْ كان لا يعني بالضرورة امتلاك الكلمة الفصل في النتائج النهائية.
هذا النموذج سيخضع لاختبار حقيقي. فإن نجح، قد يفتح الباب أمام ترتيبات استضافة أكثر شمولاً، تمكّن الدول الأشد تأثراً بتغيُّر المناخ من المشاركة في تنظيم المؤتمرات المقبلة، حتى لو لم تكن تملك وحدها القدرات اللازمة لذلك.

من التعهدات إلى التنفيذ
وأضاف بيومي: تأتي القمة في لحظة بالغة الحساسية، بعدما حذّر تقرير أممي حديث من أن العالم قد يتجاوز عتبة ارتفاع الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بحلول عام 2030. لذلك ينتقل الثقل هذا العام من إطلاق التعهدات إلى تنفيذها. والمتوقع أن تركز الدول على تسريع التنفيذ وتعزيز المساءلة، وعلى تحويل الالتزامات التي أُقرت خلال «كوب 28» و«كوب 29» و«كوب 30» في دبي وباكو وبيليم إلى إجراءات ملموسة في مختلف الاقتصادات والمجتمعات. وفي صلب النقاش، تبقى ثلاث قضايا شائكة: خفض الانبعاثات، والتكيُّف مع آثار تغيُّر المناخ، والسؤال الأصعب دائماً: من يتحمّل الكلفة؟

تعزيز أمن الطاقة
والسؤال الآن: هل يستطيع «كوب 31» إعادة العمل المناخي إلى واجهة الدبلوماسية العالمية بعدما طغت عليه الحروب واضطراب ممرات الطاقة؟يرى بيومي أن (COP31) ينعقد في واحد من أصعب المناخات الجيوسياسية منذ سنوات. فانسحاب الولايات المتحدة من عدد من المؤسسات والمعاهدات الدولية، ومنها اتفاق باريس للمناخ، يسرّع التحول نحو عالم أكثر تعقيداً وتشرذماً. ومع تصاعد النزاعات واضطراب ممرات الطاقة، تصدّرت قضايا الدفاع أولويات معظم الدول، وتراجعت ملفات أخرى إلى مراتب أدنى. كما جعل شح الموارد وارتفاع الأسعار الدول المتقدمة أقل استعداداً لتقديم المساعدات التنموية والتمويل المناخي.
لكن هذه الأزمات نفسها تحمل - يقول بيومي - درساً واضحاً. فمع التراجع المستمر في تكاليف الطاقة المتجددة، بات التحول نحو الطاقة النظيفة يُنظر إليه بشكل متزايد كمدخل لتعزيز أمن الطاقة، لا كعبء منافس له. وتبرز الصين في طليعة هذا التحول، وسط أحاديث عن نيتها التقدم بطلب لاستضافة (COP33).
من هنا، فإن قدرة القمة على إعادة المناخ إلى واجهة الدبلوماسية الدولية تتوقف على قدرتها على تقديم العمل المناخي باعتباره جزءاً من معادلة الأمن والاستقرار الاقتصادي، لا ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء الأزمات.

مؤتمر المياه
 وإذا كانت القمة المناخية العالمية المقبلة في مدينة أنطاليا التركية ستنعقد قبل شهر تقريباً من مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي نهاية العام الجاري؟ فهل يُتوقع أن يحظى ملف المياه في«كوب 31» بقدر كبير من الاهتمام؟ 
وأوضح بيومي أن المياه ستكون حاضرة بقوة في كثير من نقاشات المؤتمر، وإنْ كان حضورها الأوضح في «أجندة العمل» منه في مسار المفاوضات الرسمية. فالمنطقة الزرقاء ستضم جناحاً مخصصاً لموضوع «المياه من أجل المناخ»، ثمرة تعاون بين أكثر من 70 منظمة تسعى إلى توحيد صوت المجتمع الدولي المعني بالمياه وإيصاله بفاعلية أكبر.
كما يُنتظر أن يعقد الرئيسان المشاركان للحوارات التفاعلية في مؤتمر الأمم المتحدة للمياه سلسلة من الموائد المستديرة واللقاءات مع الأطراف المعنية على هامش (COP31). وبذلك تتحول أنطاليا إلى محطة تمهيدية مهمة على الطريق إلى أبوظبي، تُبنى فيها الجسور بين أجندتَي المناخ والمياه قبل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه.
أين القمة من حياة الناس؟

وفي تصريح خاص لـ «الاتحاد»، أكد السفير الدكتور مصطفى الشربيني، رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية، المراقب باتفاقية باريس لتغيُّر المناخ بالأمم المتحدة، أن «كوب 31» يأتي في لحظة أصبح فيها الناس يريدون إجابة بسيطة: متى تتحول قرارات مؤتمرات المناخ إلى تحسن يشعرون به في حياتهم؟ الفرد الذي يواجه موجات الحر، والمزارع الذي يخشى نقص المياه، وصاحب المصنع الذي يحاول خفض استهلاك الطاقة، جميعهم ينتظرون نتائج تتجاوز قاعات التفاوض، ولذلك، يتوقع الشربيني أن يقرّب العمل المناخي من احتياجات الناس، وأن يضع تنفيذ التعهدات في صدارة الاهتمام.
وأضاف الشربيني أن المؤتمر الذي تستضيفه أنطاليا التركية في نوفمبر المقبل، يتجه بالفعل نحو التركيز على التنفيذ. وهذه بداية مشجعة، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الدول على الاتفاق على خطوات واضحة، تتوافر لها الموارد والمسؤوليات والجداول الزمنية. أتوقع أن يشهد نقاشات صعبة حول التمويل وخفض الانبعاثات والتكيُّف، وأتمنى أن تنتهي هذه النقاشات بتقدم يمكن متابعته ومحاسبة الأطراف عليه. فالعالم لديه خبرة طويلة في صياغة التعهدات، ويحتاج الآن إلى تسريع الوفاء بها.

معضلة التمويل 
وأوضح الشربيني أن التمويل المناخي يظل المحك الأهم، على أمل أن يصبح الوصول إليه أكثر سهولة وعدالة، خصوصاً للدول النامية والمجتمعات الأكثر تعرُّضاً للمخاطر. حين تحتاج قرية إلى حماية من السيول أو مدينة إلى تطوير شبكات المياه، فإن طول الإجراءات وتعقيد شروط التمويل قد يؤخران الحماية المطلوبة. ولدى الشربيني قناعة بأن تحصل مشروعات التكيُّف على اهتمام أكبر، وأن تتوسع المنح وأدوات التمويل الميسر، حتى تستطيع الدول حماية مواطنيها دون تحميل أجيالها المقبلة أعباء إضافية.
ويأمل الشربيني في حضور أقوى لقضايا المنطقة العربية وأفريقيا، وفي مقدمتها الأمن المائي والغذائي، وتأثير الحرارة على الصحة والعمل والإنتاج، وحماية السواحل. هذه الملفات ترتبط مباشرة باستقرار المجتمعات وفرص التنمية. وأعتقد أن نجاح المؤتمر ينبغي أن يُقاس بقدرته على مساعدة الدول في إعداد مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، مع إتاحة التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية، بحيث تستمر الفائدة بعد انتهاء الدعم الخارجي.

بيانات موثوقة 
وأضاف الشربيني أنه من واقع عمله في الاستدامة والبصمة الكربونية، تزداد الحاجة إلى بيانات موثوقة لرصد حجم الانبعاثات، وأين تنخفض بالفعل، وكيف نتحقق من النتائج. ومن المأمول أن يمنح المؤتمر اهتماماً أكبر لتأهيل المؤسسات والخبراء، ودعم نظم القياس والإبلاغ والتحقق، وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من المشاركة في التحول الأخضر. فهذه الشركات تحتاج إلى المعرفة والتمويل والتكنولوجيا حتى تتمكن من تطوير إنتاجها والحفاظ على قدرتها التنافسية.

تفاؤل وواقعية
ويبدي الشربيني تفاؤله، لكن بواقعية، في ظل قناعته بأن مؤتمراً واحداً لن يحل أزمة تراكمت عبر عقود، خاصة أن اختلاف المصالح والضغوط الاقتصادية والسياسية عادة ما تجعل التوافق صعباً. لكن كل تقدم جاد في التمويل والتكيُّف وخفض الانبعاثات يمكن أن يحمي حياة إنسان، أو يحافظ على مورد رزق، أو يفتح فرصة عمل جديدة. وهذا سبب كافٍ للعمل والإصرار.
ويرى أن للدول العربية فرصة لتقديم مشروعات وشراكات تستجيب لاحتياجاتها، وأن يكون للشباب والجامعات والمجتمع المدني دور في تنفيذها ومتابعتها. وأتمنى أن يعود المشاركون من أنطاليا ومعهم التزامات محددة يستطيعون شرحها للناس: ما الذي سيتغير، ومتى، ومن سيتولى التنفيذ؟ عندها يصبح التفاؤل - حسب الشربيني - مستنداً إلى عمل واضح. 
ويقول الشربيني: سأحكم على نجاح «كوب 31» بما يتركه من أثر بعد انتهاء المؤتمر، وبقدر ما يمنح المجتمعات الأشد احتياجاً شعوراً بأن صوتها مسموع، وأن حمايتها أولوية تستحق الموارد والاهتمام.

ركيزة أساسية للتحول
وفي تصريح خاص لـ «الاتحاد»، أكد رود ماكغريغور، الرئيس التنفيذي لشركة جلاس بوينت، أنه مع استعداد الحكومات وقادة الأعمال وممثلي المجتمع المدني للمشاركة في مؤتمر الأطراف «كوب 31»، تتجه الأنظار إلى تسريع تنفيذ التعهدات المناخية وتحويلها إلى مشاريع تحقق خفضاً ملموساً في الانبعاثات. وأضاف أن التوسُّع في إنتاج الكهرباء من مصادر نظيفة يشكل ركيزة أساسية لهذا التحول، إلى جانب تطوير حلول تلبي احتياجات القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. فالنجاح في مواجهة تغيُّر المناخ يتطلب معالجة الانبعاثات في مختلف استخدامات الطاقة، بما يشمل طرق توليد الحرارة اللازمة للإنتاج الصناعي.
ويرى ماكغريغور أن أهمية هذا التحدي تبرز في الاقتصادات التي تشهد نمواً متسارعاً، ومنها دولة الإمارات. فمن المتوقع أن يتضاعف الطلب على الكهرباء في أبوظبي بحلول عام 2050، مدفوعاً بالتوسع الاقتصادي والصناعي والنمو السكاني، وتزايد احتياجات البنية التحتية الرقمية، بما فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وتلبية هذا الطلب تستدعي التوسع في إنتاج الكهرباء النظيفة، بالتوازي مع الاستفادة من مصادر متجددة يمكن استخدامها مباشرة في بعض العمليات الصناعية، بما يخفف الأحمال الإضافية على الشبكات.
وتعتمد قطاعات التعدين والكيماويات والنفط والغاز على الحرارة والبخار في تشغيل كثير من عملياتها، ويُولَّدان تقليدياً بحرق الوقود الأحفوري. وتمثّل الحرارة المستخدمة في هذه القطاعات الصناعية نحو 27% من استهلاك الطاقة عالمياً، ما يجعل خفض الانبعاثات المرتبطة بها عنصراً مهماً في التحول إلى الطاقة النظيفة. وهنا تبرز أهمية تقنيات الطاقة الشمسية الحرارية، التي تستخدم أشعة الشمس لإنتاج البخار مباشرة في مواقع المنشآت الصناعية.
وحسب ماكغريغور: تتمتع دولة الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط عموماً بمقومات تدعم التوسُّع في هذه الحلول، أبرزها وفرة أشعة الشمس وتوافر المساحات اللازمة لإقامة المشاريع. وتعتمد تقنيات الطاقة الشمسية الحرارية المركّزة على تجميع أشعة الشمس وتركيزها لتوليد الحرارة وإنتاج البخار المستخدم في الصناعات الثقيلة. وبذلك، تستفيد المنشآت من الطاقة الشمسية مباشرة، وتتجنب الفاقد الناتج عن تحويلها إلى كهرباء عبر الألواح الكهروضوئية، ثم استخدام الكهرباء لتوليد الحرارة. وتسهم هذه التقنيات في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض الانبعاثات المرتبطة بتوليد الحرارة الصناعية. كما يتكامل هذا المسار مع النموذج الإماراتي في توظيف الطاقة النظيفة لدعم التنمية والعمل المناخي، بما ينسجم مع توجهات «كوب 31» نحو تسريع تنفيذ الحلول المناخية، وتعزيز التصنيع الأخضر.

الكهرباء النظيفة لخفض الانبعاثات
وأكد ماكغريغور أن  التحوُّل إلى استخدام الكهرباء سيظل  ركيزة أساسية لخفض الانبعاثات، على أن يتكامل مع حلول تناسب طبيعة كل نشاط واحتياجاته. وفي العمليات الصناعية التي تتطلب كميات كبيرة من الحرارة، توفّر الطاقة الشمسية الحرارية المركّزة خياراً يجمع بين الجدوى الاقتصادية وموثوقية الإمدادات والقدرة على تلبية الطلب على نطاق واسع. ويمكن لهذه التقنيات، وفق تحليلات الشركة، خفض الانبعاثات المرتبطة بتوليد الحرارة بنسبة تصل إلى نحو 70%، مع تعزيز استقرار تكاليف الطاقة وأمن إمداداتها والحد من التأثر بتقلبات أسعار الوقود. وهذا التكامل بين الكهرباء النظيفة والاستخدام المباشر للطاقة المتجددة، يدعم- على حد قوله-  تحقيق الأهداف المناخية العالمية، بالتوازي مع استمرار النمو الصناعي.

قضايا الصحة والجنوب العالمي
وفي تصريح خاص لـ«الاتحاد» أوضحت الدكتورة شيبا كونجيكريشنان، الخبيرة في الشؤون الطبية والعلاقة بين الصحة والمناخ، أن «كوب31»  فرصة أمام الدول والمجتمعات لربط الالتزامات المناخية بحماية الصحة العامة. ولدى «شيبا» قناعة  بأن الربط بين الصحة العامة والمناخ يكتسب أهمية كبيرة بالنسبة إلى دول الجنوب العالمي، حيث يشكل تغير المناخ تهديداً متزايداً للصحة والتنمية وسبل العيش.وأكدت «شيبا» أن إعلان دولة الإمارات بشأن المناخ والصحة في ديسمبر 2023، الذي أُطلق في دبي  خلال «كوب28»  قد وضع الصحة في صميم العمل المناخي. كما شهد المؤتمر تنظيم أول يوم مخصص للصحة ضمن فعاليات مؤتمرات المناخ. وشملت أبرز الالتزامات بناء أنظمة صحية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ، ومستدامة ومنصفة، وتعزيز أنظمة مراقبة الأمراض والإنذار المبكر، ورفع جاهزية الكوادر الصحية، وخفض الانبعاثات والنفايات الناتجة عن قطاع الرعاية الصحية، ودمج القضايا الصحية في الخطط المناخية الوطنية، وتحسين تمويل الصحة والمناخ، وتعزيز التعاون وفق نهج «الصحة الواحدة» الذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان وسلامة كوكب الأرض.
وأضافت «شيبا» أن العديد من البلدان منخفضة الدخل والدول الجزرية الصغيرة النامية تعاني آثاراً صحية حادة مرتبطة بتغير المناخ، رغم محدودية مساهمتها في إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً. كما تجعل محدودية البنية التحتية والموارد المالية عمليات التعافي أكثر صعوبة. وتحوّل هذه العلاقة غير المتكافئة بين المسؤولية عن التغير المناخي وحجم الأضرار الناتجة عنه القضية إلى مسألة ترتبط بالعدالة الصحية والإنصاف المناخي.
ويوفر مؤتمر COP31 منصة مهمة لنقل هذه التجارب إلى طاولة النقاشات الدولية. ووفقاً للبرنامج الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية، من المقرر تنظيم يوم مخصص للصحة في 9 نوفمبر، إلى جانب جناح للصحة ومناقشات تتناول بناء أنظمة صحية قادرة على الصمود أمام تداعيات تغير المناخ. ويمكن لهذه الفعاليات أن تجمع وزراء الصحة والباحثين والأطباء وممثلي المجتمع المدني مع صناع السياسات المناخية. كما ركزت العملية التحضيرية في فيجي وتوفالو على أولويات دول المحيط الهادئ، بما في ذلك تسهيل الوصول إلى التمويل المناخي والاعتراف بالواقع المعيشي للمجتمعات المتضررة. ومن شأن هذه الفرص أن تساعد الدول على طرح احتياجاتها الصحية باعتبارها أولوية أساسية في العمل المناخي.
وحسب «شيبا» تتضمن التحديات الصحية المرتبطة بالمناخ الأمراض والإصابات الناجمة عن موجات الحر والظواهر الجوية المتطرفة، فضلاً عن تعطل الخدمات الصحية. فالفيضانات قد تؤدي إلى تلوث مياه الشرب وتدمير أنظمة الصرف الصحي، بينما يهدد الجفاف الإنتاج الغذائي والتغذية، ويزيد من المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة. كما يمكن للتغيرات البيئية أن تؤثر في أنماط انتشار الأمراض المعدية، وتتسبب في النزوح وفقدان مصادر الرزق، وتفاقم مشكلات الصحة النفسية والرفاه الاجتماعي. وتواجه الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال وكبار السن والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة والمجتمعات المحرومة، مخاطر أكبر. ولذلك، يتعين على الأنظمة الصحية الاستعداد لمواجهة أزمات متزامنة ومتداخلة، مع ضمان استمرار تقديم الخدمات الطبية الاعتيادية.
 وانطلاقاً من إعلان COP28 بشأن المناخ والصحة، يتعين على الدول تحويل تعهداتها إلى برامج ممولة، ومسؤوليات واضحة، ونتائج قابلة للقياس. فنجاح الدبلوماسية المناخية لا ينبغي أن يُقاس فقط بما يتحقق على طاولات المفاوضات، بل بما ينعكس على أرض الواقع من هواء أنظف، ومياه آمنة، وخدمات صحية أقوى، ووفيات يمكن الوقاية منها. عندها فقط تصبح الدبلوماسية المناخية أداة حقيقية لحماية الأجيال الحالية والمقبلة.
ويظل التمويل- حسب «شيبا»، عنصراً أساسياً لتحويل الاعتراف بالمخاطر إلى إجراءات فعلية لحماية السكان. وينبغي لوفود دول الجنوب العالمي المطالبة بتمويل يسهل الوصول إليه، لدعم العيادات والمراكز الصحية، وضمان إمدادات المياه الموثوقة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتدريب الكوادر الصحية. كما يتعين عليها السعي للحصول على الدعم اللازم لمواجهة الخسائر والأضرار التي لا يمكن تجنبها. ويُعد الصندوق الذي أُنشئ خلال مؤتمر COP27 لمعالجة الخسائر والأضرار آلية تستهدف دعم البلدان النامية الأكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ. غير أن إنشاء آليات التمويل لا يعني بالضرورة وصول المساعدات في الوقت المناسب. فالدول تحتاج إلى التزامات مالية شفافة، وإجراءات مباشرة وميسرة للحصول على التمويل، وآليات واضحة للإبلاغ عن مدى وصول الموارد إلى المجتمعات المتضررة.



إقرأ المزيد