خسائر وأرباح التواصل
‎جريدة الإتحاد -

الموضوعات الرابحة عادة تُطرَح من دون تشكيك في قدرات القارئ أو مخاوف من نواياه، إنها تُطرَح حصراً في إطار الاحترام والثقة المتبادلين. فمن المستحيل أن يخط الكاتب بقلمه حرفاً مع وجود شكوك في استيعاب القارئ. لكن للمقارنة، فإن انشغال بعض الخطاب الإعلامي، المُقيَّد بالتحليلات الآنية والمنطلق من المخاوف ذاتها، يربك ويرتبك التواصل مع المشاهد. وزد على ذلك، النداء المبالغ فيه بالوعي الذي هو خارج موقعه ودون حاجة، وأخيراً انشغال الحديث الغريب بالتوقعات الصادرة عن ارتياب وشكوك، فذلك لا يدعم الموضوع ولا يُنمي التواصل ولا يحترم حتى الجمهور.لنتساءل: هل من المقدور التعرُّف على من يتواصل من منطلق الخوف؟ خصوصاً الخوف من القدرات الإدراكية الشبابية المضللة (من وجهة نظر فئة من المحللين).. ربما نجد إشارات تترجم محدودية التواصل في كلامهم الطويل، الذي يكون مجرد تلقين وتوجيه لا للعقول بل للمسامع، في اتجاه أحادي بعيد عن التبادل، وهذا ما قد نراه أحياناً في مجال التنظير والتحليل. فقد روي عن السلف أنه جاء في وصف أعرابي لرجل مستحدث الحديث أنه: «كان.. مطوال المحادثة ينبذ إليك الكلام على أدراجه». ومنه يعتبر هذا الأسلوب انتقاصاً لعقل الشباب الخليجي والعربي، مؤدياً إلى التقليل من قيمة التواصل وحجم الإدراك.
في سوق المُحللين، تتحول القضايا إلى مادة للمضاربة الإعلامية، يُقاس على الظن، ويُعتَمَد على المخاوف النفسية. نلاحظ تأثيره في الطرح: ألا وهو الوعي المفرط، المُشابه لماراثون بلا خط نهاية. يأتي الوعي مفروضاً بداعي الحذر من المخاطر، فالوعي ضروري عند التعامل مع الخطر الواقع، لكن لا يعني ذلك الإفراط الزائد في الوعي واليقظة في جوانب الحياة الروتينية العادية، فلا يُعتَبَر عندئذ إلا تشوفاً وتقصياً فائقين باسم الوعي، وسوف يسبب ربكة وتشتيتاً.
إذا طبّقنا ذلك على الوقت، سنرى أن الزمن لا يمر ويكاد يتوقف كلما زاد انتباه الوعي بالثواني والدقائق، والعكس صحيح، إذا أحس الإنسان بالسعادة فلن يشعر بالوقت وكأن يومه انقضى في دقائق. وهذا ما أكده «إدوارد تي هال»، عندما ذكر أن درجة التركيز مرتبطة بسرعة إدراكنا لمرور الزمن، وهناك نوع من أنواع التركيز يلغي وعينا المعتاد بالزمن. فالتركيز على الصغائر يخفي ملاحظة الأهم، ويمنع تمرير الأمور الاعتيادية الطبيعية.
أثر طرح الموضوعات يبرز جلياً على النفوس وعلى العلاقات، فقد كشفت طبيبة النفس «جيليان ساندستروم» نتائج دراسة علمية حول حجم مردود الأحاديث، حيث استعرضت أهمية دور التبادل بالنسبة للإنسان، وأثبتت أن التواصل غاية والمضمون وسيلة، وأن التأثير النفسي الإيجابي ما هو إلا مردود التفاعل الخالي من المخاوف والأحكام، فالذي يجعل المحادثة ممتعة فعلاً هو الجزء الديناميكي، وما يهم ليس الموضوع بحد ذاته بل التفاعل الواقي من الشعور بالعزلة.
بعض الحديث يبتعد عن دور التواصل في تعزيز الروابط، وقد يحدث شروخاً في المشاعر لدى المتلقي الخليجي والعربي مع مرور الوقت، وربما يؤدي إلى الشعور بالعُزلة حتى وسط الزخم والضوضاء. فقد استبدل أحد المنظرين التواصل العاطفي الديناميكي بحديث جامد وبارد عاطفياً، وخسر اللُّحمة لصالح العُزلة، متناسياً التراكمات المشتركة في الثقافة والتاريخ، سواء تراكمات جغرافية أو فلكلورية وتراثية وجمالية، أو من جانب المخاطر المشتركة، مثل المحو الممنهج والإسلاموفوبيا المتعددة الأشكال، ومعاداة القيم العربية المجتمعية العريقة والمعاني الأسرية السليمة التي تميِّز الشعوب العربية عن الشعوب الأخرى. إن التراكمات الثقافية عبر القرون تجعل الإنسان يميل فطرياً لبني جلدته.
وفي هذا المضمون عبّرت الممثلة الأميركية ذات الأصل الآسيوي، «كونستانس وو»، عن هذا بالتجانس الفطري، عندما قدمت فيلماً آسيوياً، قائلة بارتياح: «لم يسبق لي أن كنت في موقع تصوير حيث كان الجميع يشبهني».
الشباب المشاهد الذي يعرف الأوضاع ويدرك المخاطر والفضائل المشتركة خليجياً وعربياً، يتمتع بنظرة واسعة وبعيدة. إن القراءة الشمولية تشمل التاريخ والمنطق والمشاعر، ونجد أن المتلقي يحيط بذلك بفعالية، ويعلم أن التواصل عملية جماعية عاطفية، ويؤمن في وجدانه بالتعاون والاشتراك العربي الخليجي ولو فقط في المجالات الثقافية أو المجتمعية والعملية والأسرية والإعلامية. فقد أوضح الإعلامي «محمد الحمادي» كيف لنا أن نقرأ جوهر القصة من كل جانب، لا بأعين السياسة فقط.
هنالك إشارة أخرى لتمييز الخطاب المُربك، علاوة على الوعي المفرط والضوضاء، وهي موضوع التوقعات التي تكون خاسرة عندما تصدر عن خوف المحلل من فكر المشاهد. وهنا ينتقل الخوف إلى المتلقي، وكل طرف يحاكي ارتباك الآخر. وعندما تتابع الوقائع، يتداخل الخطاب وتتفاوت التوقعات، وتمتد الموضوعات كالأسهم في سوق التداولات. وهنا يبرز تأثير التوقعات على مجريات الواقع، مثلما تتأثر الأسواق المالية بتوقعات المساهمين، فكل متوقع آت.
المسألة في هذا الأسلوب من التوقعات أنه غالباً ما يفتقر للثوابت أو المُسلّمات، مثلاً، قانون القياس من أبسط المُسلّمات الفكرية، إذ يمانع قياس الحركة والموضع معاً، إنما يقاس الموضع وحده أو الحركة من دون الموضع. لذلك عندما يصدر عن بعض التحليلات أحكام نهائية سلبية خلال أحداث سارية متحركة، فإنه يخالف قانون القياس، ويتبع قانون الإرباك.
لذا، من طبيعة التواصل الإيجابي عدم انحصاره في نبرة واحدة أو اتجاه واحد، من الأعلى إلى الأدنى أو العكس، طبقاً لطبيعة النصيحة، فالكلام يتراوح بين الأخذ والعطاء بعدة اتجاهات، فالدين نصيحة، والنصيحة تواصل عاطفي رحيم يُراد به التعاون واللُّحمة، ويؤدي إلى اتصال حقيقي. وقد وصف الدكتور «هاني حجاج» الاتصال الحقيقي كشعور خام بديع، وفي تلك اللحظة الإبداعية لا وجود للعٌزلة، وكأن الإنسان ينتمي إلى لحظة التواصل مع التعبير الإبداعي. فإنْ كان التواصل لساناً، والعروبة لساناً، فلا بد أن أساس الأمة لسان.
هنا نجح الإبداع والفن حينما عجز الخطاب المُربك، لأن منظور الفن منظور أممي يحاكي الحلم والحمل العربي في آن واحد. فمحاكاة الأممية ترفع من الطموح الوطني لأي بلد، بالتحديد لأن عدد الحضارات الباقية والتالفة هو عدد محدود جداً مقارنةً بعدد الأوطان، لذا نجد عدة دول تحمل لواء نفس الحضارة، كانتماء كل أوطان الغرب للحضارة الرومانية الغربية. فالتآزر الأممي يُعرِّف الشعوب على التآزر الوطني، وبقاء الشعوب محاكاة للإرث المشترك والأمجاد الباقية للأمة العربية.
ومن هذه الزاوية نرى مدى استيعاب الشعوب لدور الثقافة والفن في محاكاة الحضارة العربية الإسلامية. فالفن المتجاوز للزمن ينجح في إيصال محتوى المشاعر الحضارية للمتلقي، كما رأينا التفاعل الإبداعي والجماهيري مع الفيلم السينمائي «الست» والأثر المستمر الباقي للفيلم الكلاسيكي «أسد الصحراء»، وأيضاً الموسيقى والبلاغة والأدب التي تسر التطلعات وتدعم الذاكرة، ولا سيما أثر البرامج الفنية والجوائز المخصصة في نقل قيمة التكريم كأداة اتصال فعالة، فما إنْ تم الإعلان عن جوائز القراءة العربية، وجوائز نوابغ العرب، وجائزة الشيخ زايد للكتاب المنطلقة من الإمارات، حتى تكونت رؤية استئناف الحضارة بدوافع وطنية وعناصر أممية، فلا يربح التواصل الثقافي إلا مع طرح حضاري عربي شمولي.
*مؤسس أناسي للإعلام 



إقرأ المزيد