جريدة الإتحاد - 11/6/2026 9:20:28 PM - GMT (+4 )

ترامب.. وخسارة معركة الكونجرس
يختصر كثيرون أسباب خسارة «الجمهوريين» لمجلسَي الكونجرس في كلمة واحدة: إيران. ولا أنفي أن الحرب ضد إيران عامل حقيقي، ولا أن الغلاء والاقتصاد الداخلي أثقلا كاهل الناخب الأميركي، لكنني أعتقد أن العامل الأعمق هو الحرب في أوكرانيا. قبل عامين، عاد الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، وفاز حزبه بالمجلسين، بناءً على وعد رئيس هو إيجاد مخرج من حرب أوكرانيا، قال للأميركيين بأنها «حرب بايدن»، مؤكداً أن علاقته بالرئيس الروسي تمكّنه من الوصول لحل.
ولم يكن الغرب راغباً في حرب بلا نهاية، لكنه كان كذلك قد أوصل لروسيا رسالة واضحة: ما تم تخيّله لن يتحقق كما أرادت، فالعقوبات والدعم العسكري لكييف أثبتا أن الغرب مستعد للوقوف مع أوكرانيا زمناً طويلاً. صحيح أن الاقتصاد ليس العامل الوحيد في الحروب، وأن روسيا صمدت أمام العقوبات أكثر مما توقع كثيرون، لكن الفجوة كبيرة: اقتصاد روسي بنحو تريليونَي دولار، أي أصغر من الاقتصاد الإيطالي، مقابل أكثر من 55 تريليوناً لأوروبا وأميركا معاً. وهذه الفجوة تعني أن الغرب يملك قدرة أكبر على التحمل في حرب طويلة، حتى لو لم تحسم الأرقام وحدها النتيجة. لذلك منح الأوروبيون، و«الديمقراطيون» أيضاً، ترامب مساحة ليجد مع روسيا مخرجاً. لكن روسيا قرأت الموقف بطريقة مختلفة. فقد رأت في استعجال الغرب، تحت ضغط الغلاء واضطراب أسواق الطاقة، علامة ضعف غربي، فرفعت موسكو سقف مطالبها: الاحتفاظ بالأراضي التي ضمّها، وقبول أوكرانيا بشروطه كاملة.
وحين وجد الرئيس ترامب الطريق إلى موسكو مغلقاً، اتجه إلى الضغط على الرئيس زيلينسكي، غير أن الأخير لم يكن وحيداً، فخلفه أوروبا كلها، وفي الولايات المتحدة يحظى بتأييد «الديمقراطيين». وهذه قاعدة يعرفها من فهم واشنطن: الحليف الذي له مكانة عند الحزبين لا يسقط إذا غضب عليه أحدهما.
وحين تعثّر ترامب، وهو الذي يقول إنه أنهى ثماني حروب، اتجه إلى فنزويلا، وحقق فيها ما عدّه نجاحاً، فبحث عن نصر أكبر، غير أن ظروف فنزويلا لا تنطبق على إيران، فالأولى ليست قوة إقليمية راسخة، أما إيران فدولة لديها منظومة أيديولوجية تحكمها. وقد صبّ هذا التوجه في مصلحة نتنياهو، الذي يرى إيران عدواً لدوداً، ويحاول منذ سنوات إقناع واشنطن بضربها. وكان ترامب نفسه يرفض ذلك سابقاً، وخلافه مع جون بولتون كان بسبب إلحاح الأخير عليه بضرب إيران. فما الذي تغيّر؟
إيران لم تتغير. الذي تغيّر أن ترامب صار يحتاج إلى نصر، وربما إلى السيطرة على نفط وغاز يبيعهما بأسعار رخيصة لبلده ولأوروبا. لكن أوروبا رفضت الدخول في هذه الحرب، لأن دوافع ترامب بدت لها غير مقنعة. والديمقراطيون لم يؤيدوها لغياب الاستراتيجية. والدول العربية، والخليجية تحديداً، تحفّظت على الضربات، لأنها رأت فيها خطة قصيرة المدى لن تنجح كما نجحت في فنزويلا، ولأنها تعلم حجم التعقيد في المنطقة، بالإضافة إلى أنها كانت ما تزال ميالة للحوار مع طهران، والوصول إلى حلول عبر الوسائل الدبلوماسية. أما إيران فأدركت أن من يهاجمها يبحث عن مخرج من أزمة، فاعتمدت على ما تسميه «الصبر الاستراتيجي».
وجاءت النتائج على غير ما أُريد لها: ارتفعت الأسعار، ووقع ترامب بين الغلاء والنقص، حتى اضطر إلى شراء الديزل من روسيا. بمعنى أن بوتين حقق مكسباً اقتصادياً مرحلياً من حرب كان يُفترض أن تعوّض فشل ترامب معه.
ولم يحصل ترامب على نصر يقدّمه للأميركيين، ولا على نفط رخيص، ولا على اقتصاد أقوى. وربما كانت ضرباته لتحقق مكاسب تكتيكية لو استمرت أسبوعاً أو أسبوعين، لكنها لم تكن لتصنع نصراً استراتيجياً، لأنه دخلها بدافع الحاجة إلى إنجاز لا بخطة واضحة، وتراجع حين بدأت تكلفتها تصل إلى الناخب والاقتصاد. قد يعترض معترض بأن الهزيمة داخلية في أساسها: تضخم وغلاء واستقطاب وتراجع شعبية، وبأن أوكرانيا لا تحرّك الناخب الأميركي كثيراً.
هذا اعتراض وجيه، ولا أنفي وزن هذه العوامل، لكن حجتي أن إنهاء حرب أوكرانيا، وعد بنى عليه الرئيس الأميركي صورته، لكن إحفاقه في تحقيق الوعد دفعه إلى مغامرة إيران التي رفعت التكلفة على الناخب الأميركي.
فالعامل الخارجي هنا ليس بديلاً عن الداخلي، بل هو ما ضاعفه. إذن كانت إيران جزءاً من الهزيمة، لكنها ليست أصلها. الأصل أن ترامب لم يستطع إيقاف حرب أوكرانيا. الآن تتجه أوروبا وأميركا إلى استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إنهاك روسيا. وقد تحاول الصين تخفيف ذلك كما ساندت إيران، لكنها تواجه أزماتها الاقتصادية، وقدرتها على إنقاذ غيرها محدودة.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


