تكساس.. كيف تعيد رسم ملامح أميركا؟
‎جريدة الإتحاد -

تكساس.. كيف تعيد رسم ملامح أميركا؟

يدرك قلة من العاملين في السياسة بولاية تكساس طبيعة العالم الذي استيقظوا عليه صباح الأربعاء الماضي، أي بعد فوز «الديمقراطيين» في انتخابات التجديد النصفي. 
أثار فوز «الديمقراطي» جيمس تالاريكو على «الجمهوري» كين باكستون في سباق مجلس الشيوخ الأميركي، وهو الأول من نوعه في تكساس منذ عام 1988، اهتماماً واسعاً في البلاد، لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة، وربما الأشد تأثيراً، كان حجم الهزيمة التي مُني بها «الجمهوريون» في مختلف السباقات الانتخابية بالولاية.
وانتخبت تكساس جينا هينوجوسا، لتصبح أول حاكمة «ديمقراطية» منذ آن ريتشاردز عام 1990، وأول مسؤولة تنفيذية من أصول لاتينية. وستنضم إليها «الديمقراطية» فيكي غودوين، أول امرأة تتولى منصب نائب الحاكم. وهزمت المرأتان مسؤولين حاليين فاز كل منهما بثلاث ولايات انتخابية سابقة دون عناء يُذكر. وقبل عام واحد، لم تكونا معروفتين على نطاق واسع، وكانتا عضوتين في مجلس نواب الولاية عن منطقة أوستن.
وقد تغيرت طبيعة الحكم في تكساس وأولوياته بالكامل، وستحدد ردود فعل الحزبين المستقبلية مدى استمرار هذا التحول. ومن هذه الزاوية، تمثل تكساس مجدداً صورة مصغرة للولايات المتحدة. فما سيحدث فيها سيكشف ما إذا كان «الديمقراطيون» الصاعدون قادرين على بناء تحالف دائم، أم أن الجمهوريين سيستعيدون تماسكهم ببرنامج يتجاوز قاعدتهم المؤيدة لحركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً».

وفاز تالاريكو وهينوجوسا على وقع موجة صعود تاريخية للحزب «الديمقراطي»  اجتاحت البلاد، مدفوعة برفض الرئيس دونالد ترامب، لكنهما أحسنا استغلال اللحظة، فركزا على هموم سكان تكساس المعيشية، وقللا من أثر مواقفهما غير الشعبية بشأن قضايا الصراع الثقافي. وتناولا التضخم والفساد والتعليم والرعاية الصحية.
والأهم أنهما أوحيا بأنهما سيعتمدان نهجاً وسطياً في الحكم. وقد يغري اتساع الانتصارات «الديمقراطية» في تكساس والبلاد الحزب بالتوجه إلى حلول أقصى اليسار. لكن إذا قاد تالاريكو وهينوجوسا الحزب نحو يسار الوسط، فبوسعهما مساعدة «الديمقراطيين» على بناء أغلبيات دائمة في أوستن وواشنطن.
أما إذا انجرفا إلى معارك انقسامية بشأن الإجهاض، أو خطط الإنفاق الحكومي الضخمة، فسيمهدان الطريق لعودة «الجمهوريين» سريعاً.
وقد تكون هزيمة الجمهوريين في تكساس درساً واضحاً لهم. فقد اعتمدوا في حملاتهم إلى حد كبير على تخويف الناخبين من قضايا ثقافية.
وقد افترض «الجمهوريون» أن قاعدتهم أكبر وأكثر ولاء مما هي عليه، ولم يصغوا بما يكفي إلى شكاوى الناخبين المستقلين من الضغوط الاقتصادية. ولسنوات، لم يقدموا الكثير بشأن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والتأمين على المنازل، أو تعذر امتلاك الأسر العاملة مساكن. وحين حاولوا تغيير مسارهم، كان الأوان قد فات.
وانتزع «الجمهوريون» السيطرة على تكساس بعد قرن من الهيمنة «الديمقراطية»، باستمالة الناخبين الراغبين في حكم يميل إلى يمين الوسط، يشجع الأعمال وخلق الوظائف والنمو الاقتصادي، ويستثمر في طرق ومدارس أفضل؛ ويركز على الهموم اليومية للمواطنين، ولا ينشغلون كثيراً بتفاصيل السياسة.
فهل يعود «الجمهوريون» إلى هذه الاستراتيجية الرابحة، أم سيتجاهلون الأمر باعتباره مجرد عام سيئ؟ ويرى مارك ديفيس، أحد أبرز أصوات الإذاعة الحوارية المحافظة في منطقة دالاس، والمؤيد القوي لباكستون وترامب، أن «الجمهوريين» لم يستطيعوا تجاوز التضخم وإيران.
وأضاف: «قدم ترامب والجمهوريون أشياء رائعة كثيرة، من تحسين أمن الحدود وخفض الجريمة والضرائب، إلى ترشيد السياسات المتعلقة بالنوع الاجتماعي والبيئة. لكنهم قدموا أيضًا أسعار وقود قاسية وحربًا تبدو مستنقعاً. ولم يكن ممكناً تجاوز ذلك».
وبعبارة أخرى، على «الجمهوريين» أن يقرروا إن كانوا قادرين على إعادة إطلاق شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» في مرحلة يغيب فيها ترامب عن المشهد.
وقال ديفيس: «إذا كان فوز تالاريكو سيحقق شيئاً، فهو أنه سيدفعنا إلى البحث عن مقاتلين على غرار ترامب وباكستون، لكن بسلبيات أقل، وقدرة أكبر على جذب المستقلين. ستنتهي رئاسة ترامب، لكن حقبة حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» لن تنتهي».
وتوقع ديفيس «تبادلاً كثيفاً للاتهامات» بين «الجمهوريين» بشأن الهزيمة، وما إذا كانت الأعباء السياسية المحيطة بباكستون أم إحجام الجمهوريين التقليديين عن دعمه بعد الانتخابات التمهيدية المنقسمة قد أضرت بالحزب أكثر. وقال: «ستكون الأمور قبيحة إلى حد كبير، لكن ذلك سيمر».وستدور هذه النقاشات في أنحاء البلاد أيضاً. ومع تحول الأنظار سريعاً إلى انتخابات الرئاسة عام 2028، سيشتد الجدل. فهناك أمر يتفق عليه الحزبان: إذا أصبحت المقاعد الانتخابية الأربعون المخصصة لتكساس في المجمع الانتخابي محل تنافس حقيقي، فسيتغير المشهد الانتخابي بأكمله.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج أند سينديكيشن»
*صحفي متخصص في الشؤون السياسية.



إقرأ المزيد