جريدة الإتحاد - 11/6/2026 10:44:44 PM - GMT (+4 )
الشارقة (الاتحاد)
أكد الناقد المغربي الدكتور سعيد يقطين أن الرواية العربية تشهد توسعاً لافتاً في الإنتاج، وتنوعاً في الأصوات والتجارب، إلا أن هذه الوفرة لا تقابلها مواكبة نقدية وإعلامية ومؤسسية كافية للتعريف بالأعمال الجديدة، والكشف عن قيمتها الأدبية، مشيراً إلى أن الجوائز باتت تؤدي دوراً بارزاً في تسليط الضوء على بعض الروايات، فيما تظل أعمال أخرى بعيدة عن اهتمام الجمهور والمتخصصين.
جاء ذلك خلال جلسة بعنوان «سعيد يقطين: ذاكرة السرد، ورحابة الفكر»، استضافها معرض الشارقة الدولي للكتاب، وأدارتها الشاعرة الإماراتية شيخة المطيري، حيث استعرض يقطين، الذي اختير شخصية العام الثقافية للمعرض، محطات من مسيرته الفكرية والنقدية، وتناول تحولات السرد العربي وعلاقته بالثقافة الشعبية والمدينة، والتحديات التي يفرضها العصر الرقمي على الأجيال الجديدة.
وفرة الإنتاج وغياب المواكبة
أشار يقطين إلى أن ما يصفه البعض بـ«تسونامي الرواية» في العالم العربي يعكس اتساع دائرة الكتابة السردية، التي لم تعد مقتصرة على الأدباء المتخصصين، بل أصبحت تستقطب أصحاب مهن وتجارب مختلفة، إلى جانب الحضور المتنامي للكاتبات والشباب.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن في نقص المواهب أو الأعمال الجيدة، وإنما في محدودية دور المؤسسات التي تصل بين الكتّاب والنقاد والقراء، مستشهداً بتجربته الشخصية في التعرف أحياناً على روائيين مغاربة شباب خارج المغرب، بعد فوزهم بجوائز أدبية، رغم متابعته المستمرة للمشهد الثقافي.
واستعاد في هذا السياق الدور الذي اضطلع به اتحاد كتاب المغرب خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت أنشطته المنتشرة في المدن المغربية تتيح التعرف على الكتّاب منذ بداياتهم. وقارن ذلك بالمواكبة التي تحظى بها الإصدارات الجديدة في فرنسا، من خلال الإعلام والجامعات والندوات النقدية، داعياً إلى تفعيل دور المؤسسات الثقافية والإعلام السمعي البصري والجامعات في متابعة الإنتاج الأدبي العربي.
الثقافة الشعبية مصدر للإبداع
أخبار ذات صلة
في حديثه عن علاقته بالسرد، عاد يقطين إلى طفولته في الدار البيضاء، مستحضراً الأسواق الشعبية وحلقات الحكواتيين التي كانت تقدم السير والحكايات على امتداد أيام وأشهر، وكيف أسهمت هذه الأجواء في تشكيل اهتمامه المبكر بالحكاية، قبل انتقاله إلى فاس وانفتاحه على المكتبات والدراسة الأدبية.
ورفض النظر إلى الثقافة الشعبية باعتبارها ثقافة هامشية، موضحاً أنها امتلكت دائماً حضورها ووظائفها في حياة الناس، ونقلت بين الأجيال المعارف والأمثال والحكايات والقيم والعادات، وإن كان تداولها يرتبط أساساً بالوسيط الشفاهي.
وأكد أهمية استعادة هذا الموروث بوصفه مصدراً للإبداع وللعلاقات الإنسانية التي بدأت تضعف في المجتمعات الحديثة، مشيراً إلى أن الرواية العربية مدعوة إلى استلهام خصوصية الحياة المحلية، والانفتاح في الوقت نفسه على التجارب الأدبية العالمية دون الوقوع في محاكاتها.
واستشهد بتجربة الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو واهتمامه بجمع الحكايات الشعبية، معتبراً أن الارتباط بالثقافة المحلية يمنح العمل الأدبي خصوصيته، ويعزز قدرته على الوصول إلى القراء خارج بيئته الأصلية.
السرد والعصر الرقمي
تطرق يقطين إلى التحديات التي تواجه الثقافة العربية في العصر الرقمي، متسائلاً عن طبيعة الروايات والحكايات التي يحتاج إليها الجيل الجديد، وعن قدرة الكتّاب والمثقفين على إنتاج خطاب ثقافي يستجيب للتحولات المتسارعة في حياة الأفراد.
ولفت إلى المفارقة التي تحدثها التكنولوجيا، إذ قد تعزل الأفراد في انشغالهم بهواتفهم، بينما تجمعهم في الوقت نفسه داخل فضاءات رقمية مشتركة، داعياً إلى التفكير في تأثير هذه التحولات على الوعي والعلاقات الاجتماعية، واستثمار الإمكانات الرقمية لتعزيز التواصل الثقافي والأكاديمي بين المجتمعات العربية.
وفي تناوله لطبيعة السرد، ميّز يقطين بين السرد بوصفه جنساً ممتداً عبر التاريخ، والأنواع الأدبية التي تتغير وفق ظروف نشأتها وتطورها، مختصراً رؤيته بقوله: «السرد جنس ثابت، والأنواع متغيرة ومتشعبة».
وأشار إلى أن اهتمامه البحثي بتاريخ السرد العربي، من الحكايات والسير الشعبية والمقامات إلى الرواية الحديثة، يقوم على فهم تطور الأشكال السردية وعلاقتها بالتحولات الثقافية والمعرفية، مؤكداً أهمية تجديد الأسئلة النقدية بما يواكب تغير وسائل التعبير والتواصل.
إقرأ المزيد



