الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقات الأميركية الصينية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في مطار بكين، كان هناك ملصق يطلب من حاملي الطائرات المسيرة إخراجها والإفصاح عنها. وبحكم زياراتي المتكررة للصين منذ التسعينيات، كانت تفاصيل الرحلة مختلفة، فهي الأولى لي في عصر الذكاء الاصطناعي.
وبعد تسعة أيام في بكين وشيونغآن ومراكز التكنولوجيا بهانغتشو ونينغبو وشنتشن، اتضح أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقات الأميركية الصينية، فيقرب البلدين جيوسياسياً لكنه يُفاقم خلافاتهما التجارية.
ويكشف الملصق أن القوتين، رغم تنافسهما، تدركان ظهور دخيل على علاقتهما: الفاعل السيئ الذي بات يمتلك قدرات هائلة. والمقصود المحتالون وتجار المخدرات والمتاجرون بالبشر والقراصنة الإلكترونيين الذين سرقوا 6.3 مليار دولار من منصة «باينانس». وبات أفراد وفرق صغيرة قادرين على استخدام طائرات مسيرة تجارية وأسلحة إلكترونية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بقوة تدميرية تضاهي قوة دولة عظمى. كما تتزايد قدرة نماذج البلدين على الانفلات من السيطرة وإحداث اضطرابات واسعة، مع استقلاليتها وتحسينها لنفسها وحفاظها على وجودها.
ولا يزال البلدان يستوعبان التحول المطلوب في علاقتهما، رغم اختلافهما بشأن حروب غزة وأوكرانيا وإيران. وقال لي صديق صيني: «الولايات المتحدة والصين لا تعرفان أحياناً ما الذي تتصارعان بشأنه. لقد أصبح الأمر مجرد عادة».
إلا أنها عادة بالية، فاستقرار العالم يتطلب تعاوناً وثيقاً ومتبادلاً بين القوتين العظميين في عصر الذكاء الاصطناعي. ورغم اختلاف تعريفهما للفوضى، تتقاطع مصالحهما في منع أضرار التكنولوجيا بالبنية التحتية والأفراد والدول والبشرية. فالضوابط الأميركية يجب أن تحمي الديمقراطية وحرية التعبير والاحتجاج السلمي، بخلاف المنظومة الصينية. ومع ذلك، ينبغي الاتفاق على ضبط المخاطر، خصوصاً أن الخطوات المقبلة تشمل حرفياً المشي، أي الروبوتات.
وفي معرض للروبوتات في بكين، شاهدت روبوتاً شبيه بالبشر يستبدل بطارياته المثبتة في ظهره خلال دقيقتين، وتساءلت عما سيحدث إذا امتلك ذكاءً مستقلاً.
وقد تقرب مخاطر الذكاء الاصطناعي البلدين جيوسياسياً، لكنهما قد يتباعدان اقتصادياً، فالذكاء الاصطناعي يعزز العملاق الصناعي الصيني. ففي 2024، أنتجت الصين قرابة ثلث السلع المصنعة المباعة عالمياً، وأظهرت زياراتي لشركات متقدمة أن الذكاء الاصطناعي يعزز كفاءتها وتنافسيتها. وبلغ الفائض التجاري الصيني في 2025، أي الصادرات مطروحاً منها الواردات، 1.19 تريليون دولار، بزيادة 20%، ويُتوقع أن يصل إلى 1.3 تريليون دولار هذا العام. 

وبينما تنفق الشركات الأميركية مليارات الدولارات على نماذج متقدمة باتت أحدث إصداراتها خطيرة بحيث لا يمكن إطلاقها، تركز الشركات الصينية على نماذج رخيصة ومفتوحة الأوزان و«جيدة بما يكفي»، قد تجعل تفوقها في التصنيع المتقدم عصياً على المنافسة. فأميركا تستثمر في نماذج فائقة القوة، بينما تتيح قاعدة الصين التصنيعية المتقدمة مكاسب فورية وواسعة من نماذج أصغر.

وتتسارع وتيرة التقدم مع تنافس الشركات الصينية. ففي مجمع بكين الصناعي للروبوتات، شاهدت روبوتين صنعتهما شركتان متنافستان لنصف ماراثون لمسافة 21 كيلومتراً. فاز الأول بسباق 2025 في ساعتين و40 دقيقة و42 ثانية، والثاني في أبريل الماضي خلال 50 دقيقة و26 ثانية، متجاوزاً الرقم القياسي البشري آنذاك، البالغ 57 دقيقة و20 ثانية، والمسجل باسم جاكوب كيبلِمو. وفي عام واحد، أنتج الذكاء الاصطناعي المتجسد روبوتاً أسرع من أسرع إنسان مسجل.

وهناك أخبار جيدة، فقبل ستة أشهر، استبعد خبراء اتفاق البلدين على ضوابط لنماذج الذكاء الاصطناعي المتزايدة الخطورة، لاسيما وأن الصين لن توافق. لكن بكين قد تكون الآن أكثر حماسة لمناقشتها من الرئيس دونالد ترامب، الذي أعلن أمام الأمم المتحدة في سبتمبر أن الولايات المتحدة «ترفض أي محاولة لإنشاء مخطط عالمي للسيطرة» على الذكاء الاصطناعي، وكرر موقفه بعد قمته مع الرئيس الصيني، مؤكداً أن النماذج الأميركية تتصدر السباق ولن يقيدها.

وفي افتتاح منتدى الحوكمة العالمية لعام 2026 في شيونغان، ناقشت الأمر مع وزير الخارجية الصيني وعضو المكتب السياسي وانغ يي، وجون ثورنتون، الرئيس المشارك لمجلس أمناء جمعية آسيا. وأكد وانغ أن البلدين يمتلكان القدرة والمسؤولية لتطوير الذكاء الاصطناعي وإدارته معاً، وضمان بقائه تحت السيطرة البشرية بما يعود بالنفع على البشر، داعياً إلى قواعد ومعايير عالمية.ويطور البلدان الذكاء الاصطناعي لتعزيز أسلحتهما بالخارج والمراقبة للسيطرة على المعارضة بالداخل. لكن بكين تدرك أنه سلاح ذو حدين. ويقول مسؤولون أميركيون، إن أجهزة إنفاذ القانون الصينية زادت تعاونها مع نظيراتها الأميركية لمكافحة الجرائم الإلكترونية والاحتيال وغسل الأموال. كما يدرك الصينيون أن نماذج الذكاء الاصطناعي ذات الوزن المفتوح التي توزعها الشركات الصينية أسهل على مطوري البرامج، بمن فيهم أولئك الذين يسيئون استخدامها، للتكيف مع تطبيقات محددة ومستهدفة مقارنة بنماذج وادي السيليكون الرائدة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
 كاتب أميركي



إقرأ المزيد