جريدة الإتحاد - 11/7/2026 11:30:34 PM - GMT (+4 )
لا يزال العالم يمر بمرحلة من الاضطرابات؛ ففرنسا تشهد احتجاجات بسبب تدهور أوضاعها المالية، وتلوح تغييرات سياسية كبيرة في الولايات المتحدة وإسرائيل. ويضاف إلى ذلك استمرار الحرب مع إيران، وتصاعد الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز، وضربات الحوثيين ضد السعودية. ومع ذلك، إليكم أداء أبرز الأصول المرشحة في خضم المنافسة على لقب «الملاذ الآمن الأفضل» خلال أكتوبر:
الذهب: -6.8%، البيتكوين: -7.4%، ومؤشر بلومبيرغ الفوري للدولار: +0.3%.
فماذا حدث لفكرة أن الذهب والبيتكوين أصبحا المستفيدين الجدد من لجوء المستثمرين إلى الأصول الآمنة؟ ربما حان إعلان نهاية موجة المضاربة الرائجة على تراجع قيمة الدولار، التي روج لها أمثال راي داليو، مؤسس بريدج ووتر، وكين غريفين، مؤسس سيتادل، ومفادها أن المستثمرين يتخلون عن العملة الأميركية ويتجهون إلى بدائلها.
وتفاقم هبوط البيتكوين، الأسبوع الماضي، بعدما سرق قراصنة 6.3 مليار دولار من منصة بينانس، في أكبر عملية سرقة من نوعها في التاريخ، ما قوّض الاعتقاد بأن العملات المشفرة مخزن موثوق للقيمة. لكن التراجع أوسع من تداعيات اختراق واحد. فعلى مدار العام الماضي، أكد هبوط البيتكوين هويته بوصفه رهاناً عالي المخاطر يتبع مؤشر ناسداك 100؛ بل إنه مؤخراً لم يعد يواكب أسهم التكنولوجيا إلا عند هبوطها، لا صعودها. وفي سوق الذهب، سحب المستثمرون الأفراد مليارات الدولارات من الصناديق المتداولة التي تتبع المعدن النفيس، وهبط الطلب على المشغولات الذهبية إلى أدنى مستوى منذ 2020، فيما توقفت البنوك المركزية عن توفير الدعم الذي قدمته بين 2022 و2024.
قبل ما يزيد قليلاً على عام، وصف غريفين صعود الذهب والعملات المشفرة بأنه مدعاة للقلق. وقال أمام عملاء مؤسسات استثمارية في مؤتمر لشركة سيتادل سيكيوريتيز بمانهاتن: «نشهد تضخماً كبيراً في قيمة الأصول بعيداً عن الدولار، مع بحث الناس عن سبل للتخلص فعلياً من الاعتماد عليه أو تقليل المخاطر التي تتعرض لها محافظهم جراء المخاطر السيادية الأميركية». وكتبت آنذاك أن غريفين وآخرين أساؤوا فهم قصة الذهب والبيتكوين.
فالموجة التي قفز خلالها الذهب من نحو ألفي دولار للأوقية مطلع 2024 إلى أكثر من 5500 دولار في يناير 2026، والبيتكوين من نحو 40 ألف دولار إلى أكثر من 120 ألفاً خلال فترة مماثلة، لم تكن في جوهرها بحثاً عن الأمان أو التخلص من الاعتماد على الدولار، بل مضاربة انتهت حُمّاها. صحيح أن حكومات أجنبية وبنوكاً مركزية، تحركت خوفاً من استخدام الحكومة الأميركية الدولار سلاحاً، أقبلت على الذهب بعدما جمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأموال الروسية إثر غزو أوكرانيا. لكن تلك الظاهرة كانت قد بلغت ذروتها وبدأت تتراجع عندما تبنى غريفين وآخرون هذه الفرضية. ولم تكن «المضاربة على تراجع قيمة الدولار» العام الماضي سوى شعار رائج يختزل سوقاً معقدة؛ إذ استند مروجوه إلى أخبار قديمة عن البنوك المركزية لتبرير موجة صعود قادها أساساً اندفاع المستثمرين الأفراد.
ومنذ اندلاع الحرب مع إيران، استعاد الدولار مكانته قوة مالية عالمية لا تضاهى، وهي حقيقة أشرت إليها في الأسابيع الأولى للصراع ولا تزال قائمة. فقد ارتفع أمام 14 من 16 عملة رئيسة، وسجل مؤشر بلومبيرغ الفوري للدولار مؤخراً أعلى مستوى في 17 شهراً. ورغم أن التضخم المستعصي أضعف قيمة سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، كما فعل مع الديون السيادية لمعظم الدول، فإن أداء الديون قصيرة الأجل تفوق على الذهب والبيتكوين.
إلا أن المخاوف بشأن الدولار بلا أساس؟ لم تخلُ من بعض الوجاهة، شأنها شأن كثير من موجات الاستثمار الرائجة. فقد استخدم الرئيس دونالد ترامب وزارة العدل سلاحاً لمهاجمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي المستقل، وواصل تسجيل عجز مالي غير قابل للاستدامة يبلغ 6%. وبعد إعلانه الرسوم الجمركية في أبريل 2025، فيما سماه «يوم التحرير»، اهتزت ثقة المستثمرين العالميين بالعملة الأميركية خلال جلسات قليلة. لكن ذلك لا يعني أن الذهب بديل أفضل، فضلاً عن البيتكوين. كما شهدت الفترة اللاحقة تطورات بددت مخاوف الجمهور، منها قرارات للمحكمة العليا ضد رسوم الإدارة وتدخلها في شؤون البنك المركزي، بما يشير إلى استمرار عمل نظام الضوابط والتوازنات الأميركي.وقد أسهم ذلك، وعن حق، في تراجع الاهتمام بالذهب كوسيلة للتحوط من انهيار الدولار. أما البيتكوين، فقد سخر المشككون طويلاً من وصفه بـ«الذهب الرقمي»، لكن الوصف ثبتت له وجاهة جزئية. فهو يشبه المعدن النفيس إلى حد بعيد، ولكن ليس بالطريقة التي تمناها أنصاره: إذ تهوي قيمته في وقت يقترب فيه الغموض الجيوسياسي من ذروته.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب ومحلل مالي متخصص في الأسواق الأميركية
إقرأ المزيد


