الاحتجاجات الشبابية والثورة الجيلية في أوروبا
‎جريدة الإتحاد -

الاحتجاجات الشبابية والثورة الجيلية في أوروبا

بعد فرنسا، شهدت دول أوروبية عديدة انتفاضةَ طلاب الثانويات والجامعات (بلجيكا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان وألمانيا.. إلخ)، فيما أصبح يذكّر بثورة الطلاب الشهيرة عام 1968. بيد أن الاختلاف واسع بين الحركة الاحتجاجية الحالية والانتفاضة الطلابية في نهاية الستينيات، والتي كانت تحركها تيارات اليسار الراديكالي النشطة.

في الحركة الحالية، لا توجد شعاراتٌ أيديولوجية واضحة، بل إن مطالب المحتجين تتمحور حول ظروف التدريس وإمكانات العمل والحقوق الاجتماعية. وفي تعليقه على هذه الأحداث، ذهب عالم الاقتصاد الألماني «تيم فلانداس»، في مقابلة مع مجلة «دير شبيغل» (24 أكتوبر 2026)، إلى أن هذه الاحتجاجات على اختلاف خلفياتها المحلية تعبّر عن الأزمة ذاتها، وهي مأزق الانتقال من الطفولة إلى مرحلة الرشد، الانتقال الذي أصبح صعباً بشكل ملموس في المجتمعات الأوروبية.

السياسيون لا يهتمون بهذا المشكل الحاد، بل يتركز اهتمامهم على فئة المتقاعدين التي يتزايد عددُ أفرادها باطّراد، وهي شريحة واسعة لا تساهم في النمو الاقتصادي لكنها قوة انتخابية حاسمة. وفي هذا الباب يتحدث فلاندس عن ما يسميه «الجيروتونومي» أو «اقتصاد العجزة»، ويعني به منحَ السياسات الاقتصادية الأولويةَ للمتقاعدين على حساب تمويل التعليم والبحث العلمي والسكن الاجتماعي. في الديمقراطيات الغربية، يتحكم المتقاعدون في سلطة القرار، فلا يجرؤ نظامٌ على رفع سن التقاعد أو تخفيض مخصصاته، بما ينعكس سلباً على السياسات الاجتماعية.

ومن هنا الموجةُ الاحتجاجيةُ للفئات العمرية الصغيرة التي ترفع صوتَها عن طريق التظاهرات في الشارع والعزوف عن الاستحقاقات الانتخابية والتصويت للجماعات الراديكالية من اليمين واليسار. التحدي القائم هنا هو أن الديمقراطية الرأسمالية تنجح عندما تتحسنُ الظروفُ المعيشة للطبقات الوسطى وعموم السكان، وعندما تفشل في ذلك تخرج النقمة إلى الشارع.

ما يظهر من هذه التحولات هو انبثاق ما يمكن تسميته بالثورة الجيلية المرتكزة على احتجاجات الأجيال الصغيرة، وفق ما أطلقت عليه الباحثة الاجتماعية لائليا بنوا «الظاهرة الطفولية» childism، وتعني بها مجموعَ الأحكام المسبقة والممارسات الإقصائية والتمييزية ضد الأطفال والمراهقين من حيث انتماؤهم إلى فئة اجتماعية تتعرض للهيمنة والاضطهاد.

في المجتمعات الرأسمالية الصناعية الحالية، يُقصى المراهقون مِن حقوق التعبير المشروعة ومن القرارات المصيرية، وينظر إليهم بصفتهم غير ناضجين ولا راشدين، يتم التلاعب بهم في المواقع الاجتماعية التي هي المنفذ الوحيد المتاح لهم. ومن هنا يتولد لدى هذه الفئة العمرية الشعور بالخيانة، لكون المؤسسات العمومية لا تستجيب لتطلعاتهم، والشعور بالعجز، لكون أصواتهم لا قيمة لها ولا تأثير.

والخطر هنا يكمن في الإحساس بعدم نجاعة الهياكل الديمقراطية نفسها في إحداث التحولات المنشودة.ما نستنتجه من هذه التحليلات، هو أن الممارسة الديمقراطية التقليدية لا تقيم اعتباراً للفئات العمرية الصغيرة، التي لا يتمتع أفرادها عادةً بحق التصويت الذي يحتكره الأفرادُ المتقدمون في السن، كما أن المتقاعدين والعجزة هم أساس الكتلة الانتخابية في الديمقراطيات العريقة، ومن ثم يتحكمون في المسارات السياسية.

والأمر هنا يتعلق بفئات عمرية تتوسع باستمرار، ويزيد عدد أفرادها بالنظر إلى تحسن الأوضاع الصحية والمادية للإنسان في المجتمعات المتقدمة. في الماضي، كانت الحركات الشبابية مؤطّرة أيديولوجياً وسياسياً، كما هو الشأن في انتفاضة الطلاب الغربيين سنة 1968، في أوج المد اليساري الماركسي، أما اليوم فليس للانتفاضات المتمردة أي تأطير حزبي أو سياسي، ومن هنا صعوبة احتوائها والتعامل معها.ما يتجلى بوضوح من شعارات الشباب المنتفض هذه الأيام هو الخروج عن منطق الديمقراطية التمثيلية والحقل العمومي، من منظور قيم العدالة المطلقة والديمقراطية التشاركية المباشرة. وقد عبّر عالم الاجتماع فينسان تيبرج عن هذا التحول بمقولة «المواطَنة العريضية»، ويعني بها نشأةَ نمط من المواطِن يعبّر عن مطالبه وتطلعاته من خلال العرائض المفتوحة التي لا تمر عبر قنوات التمثيل السياسي، وإنما تنزع إلى التأثير المباشر في مركز القرار.

ما نشهده باختصار هو بداية تغير عميق في مفهوم الممارسة السياسية، في علاقتها بالتركيبة الاجتماعية ومعايير التمثيل والقرار، وما تعبّر عنه انتفاضة الأجيال الشابة هو هذا التحول من ديمقراطية التمثيل إلى ديمقراطية القرب، في ما وراء الجدل الممجوج حول صراع اليمين الشعبوي المحافظ واليسار الراديكالي الجديد.

*أكاديمي موريتاني



إقرأ المزيد