جريدة الإتحاد - 11/8/2026 11:26:17 PM - GMT (+4 )
كل بضع سنوات، تكتشف الولايات المتحدة مجدداً أن قطاع الأدوية في البلاد يعتمد بشكل خطير على التصنيع الخارجي، فيعقد الكونغرس جلسة استماع ثم يمضي. لكن مقاومة المضادات الحيوية هي الأزمة الكامنة وراء هذه المخاوف، وتمثل تهديداً للأمن القومي.
ومع ذلك، لا تستخدم الولايات المتحدة الأدوات الكفيلة بالحد منها، بسبب الجمود لا قصور العلم. وفي عام 2019، تسببت البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية في نحو 1.27 مليون وفاة مباشرة عالمياً وارتبطت بـ3.7 مليون وفاة إضافية، وفق دراسة رائدة في مجلة «لانسيت»، وهي حصيلة تفوق وفيات الإيدز أو الملاريا. فالمضادات الفعالة شرط أساسي للطب الحديث، من العلاج الكيميائي وزراعة الأعضاء واستبدال المفاصل إلى الرعاية المركزة والولادة الآمنة. وقدرت دراسة عام 2015 أن انخفاض فعالية المضادات المستخدمة في الجراحات الأميركية ورعاية السرطان بنسبة 30% سيؤدي إلى نحو 120 ألف إصابة إضافية و6300 وفاة سنوياً، فيما يمثل تهديداً لأساس الرعاية الصحية الأميركية بأكملها.
كما أنه يمثل تهديداً أمنياً أيضاً، فالعدوى البكتيرية الثانوية سبب رئيسي للوفاة خلال الجوائح الفيروسية، ولا يستطيع الجيش علاج جرحاه دون المضادات. وتمر إمدادات هذه الأدوية أساساً عبر الصين، التي توفر قرابة نصف مكونات المضادات عالمياً، ونحو 94% من المادة الكيميائية اللازمة لصناعة الأموكسيسيلين ومشتقاته. وتعتبر الصين، حسبما ترى واشنطن، هي التحدي الجيوسياسي الأهم. عندما نقص الأموكسيسيلين السائل الموصوف للأطفال على نطاق واسع عام 2022، تنقل الآباء الأميركيون بين الصيدليات بحثاً عنه.
وكان ذلك بمثابة اضطراب في السوق، لكن الاضطراب الجيوسياسي سيكون أسوأ بكثير. وتدرك الحكومة الأميركية كيف تستجيب، لكنها تختار ألا تفعل. والمشكلة إخفاق السوق، فكل استخدام لمضاد يولد مقاومة له، لذا يجب الاحتفاظ بأحدث الأدوية وأكثرها فعالية للحاجة، ما يمنع الشركات من استرداد تكلفة تطويرها. وانسحبت شركات «نوفارتس» و«أسترازينيكا» و«أليرغان» و«سانوفي» من أبحاث المضادات بين عامي 2016 و2018. وأفلست شركة «أكاوجين» الناشئة في كاليفورنيا خلال عام من حصولها على الموافقة لدواء جديد ضروري عام 2018. وتوصل خبراء اقتصاد الصحة قبل عقد إلى نظام الاشتراك، فبدلاً من الدفع مقابل كل جرعة، تدفع الحكومة رسماً سنوياً ثابتاً مقابل إتاحة غير محدودة لمضاد جديد لبرامجها، ومنها «ميديكير» و«ميديكيد» وإدارة شؤون المحاربين القدامى، بصرف النظر عن حجم استخدامه.
وتستطيع الشركة بيعه لشركات التأمين والمستشفيات، فتحصل على عائد، بينما تحتفظ المنظومة بأفضل المضادات عند الحاجة. ووقعت هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية أول العقود عام 2022 ووسعت البرنامج عام 2024. لكن بريطانيا سوق صغيرة لا تستطيع وحدها دفع تطوير المضادات عالمياً، بينما تستطيع أميركا ذلك.
وتُعد الصيغة الأميركية هي مشروع قانون باستور المدعوم من الحزبين، الذي قدمه السيناتوران مايكل بينيت، «الديمقراطي» عن كولورادو، وتود يونغ، «الجمهوري» عن ولية إنديانا، عام 2020، وأُعيد تقديمه ثلاث مرات، آخرها في يونيو من هذا العام. ويخصص المشروع 6 مليارات دولار على مدى 10 سنوات لعقود بمدفوعات سنوية تتراوح بين 75 مليوناً و300 مليون دولار لكل دواء، أي أقل من 1% من ميزانية الدفاع الأميركية لعام واحد.
لكنه لم يُطرح للتصويت. وهناك إصلاح آخر أقل تكلفة وأكثر إهمالاً، وهو تمويل الفحوص التشخيصية. فكثير من وصفات المضادات تستند إلى التخمين، لأن الفحوص السريعة التي تحدد ما إذا كانت العدوى بكتيرية قد تكلف مئات الدولارات، وغالباً لا تغطيها شركات التأمين. ولن يدفع كثيرون هذا المبلغ لتحديد الحاجة إلى دواء سعره 5 دولارات. لذلك يصف الأطباء العلاج وفق تقديرهم، فتكون نحو ثلث وصفات المضادات للمرضى خارج المستشفيات في أميركا غير ضرورية.
والحل تغطية تكلفة الفحص مثل الدواء، واستخدام القوة الشرائية الفيدرالية لخفض سعره، واعتماد قاعدة خارج الطوارئ، حيث يتوافر فحص سريع ميسور التكلفة، لا يُوصف مضاد قبل تأكيد الحاجة إليه. سيبطئ ذلك مقاومة المضادات الحيوية بجانب أنه سيوفر المال. وفي حين يُعتبر إصلاح الفحوص هو التدخل الأكثر تأثيراً، لكنه لا يلقى إقبالاً، ولهذا تتجاهله واشنطن.
وتعتبر بقية الإجراءات مألوفة في جهود واشنطن لتطوير لقاحات كوفيد-19، مثل التخزين الاستراتيجي من المضادات ومكوناتها، وتنويع التصنيع بين الحلفاء وإعادة بعضه إلى الداخل، ورصد عالمي لحظي، وقيادة أميركية في «مجموعة السبع»و«مجموعة العشرين» والبنك الدولي لتمويل ابتكار المضادات باعتباره منفعة عامة مشتركة، لا عملاً خيرياً متقطعاً.
وبدأت إدارتا بايدن وترامب تعزيز صمود سلاسل الإمداد، لكن الطريق لا يزال طويلاً. وحذر ألكسندر فليمنغ عام 1945 من أن إساءة استخدام البنسلين ستولد مقاومة قادرة على تدميره. وبعد قرابة قرن، أصبح تحذيره واقعاً عالمياً. والولايات المتحدة ليست عاجزة، فهي تملك العلم والأدوات والمال، لكنها تفتقر إلى قرار التعامل مع أحد أبرز تهديدات القرن بجدية. يستطيع الكونغرس تغيير ذلك بإقرار مشروع قانون جاهز، ويجب عليه إقراره.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
* جراح ومدير معهد الابتكار في الصحة العالمية بكلية إمبريال كوليدج لندن، ورئيس مجلس الإدارة التنفيذي لمبادرة فليمنغ، المعنية بإيجاد حلول لمقاومة مضادات الميكروبات.
إقرأ المزيد


