جريدة الإتحاد - 11/8/2026 11:44:40 PM - GMT (+4 )

حتى تفهم «الحوثي».. مرة أخرى
الحركة «الحوثية» حركة أكثر تنظيماً واستقراراً وثراءً مالياً من غالب تنظيمات الإرهاب السُنية، وعلى الرغم من انحرافها الشديد عن الزيدية القديمة إلى الإمامية إلا أنها ظلت باستمرار قادرة على استقطاب الشباب الفقراء وتجنيدهم في جبهاتها القتالية بمبالغ زهيدة ولكنها تصنع الفارق مع انتشار الفقر المدقع في اليمن. مسيرة التحطيم «الحوثي» لبعض تيارات وأفكار ومبادئ الزيدية مكّنها من نشر أفكار ومبادئ «إمامية» اثنا عشرية، والمال والتدريب والتسليح الإيراني جعلها رقماً صعباً في كل المعادلات اليمنية وبخاصة في زمن الرئيس الراحل علي عبدالله صالح.
عوداً على بدء فقد عدت لليمن مرة ثالثة في عام 1997 أو 1998 ومكثت فيها قرابة الثلاثة أشهر، وكانت بعض الصفوف قد تمايزت وتداخلت، فقد أصبح أحد كبار ما يعرف آنذاك بـ«شباب الجهاد» العائد من أفغانستان واحداً من أهم «حرّاس» «الإخواني» المعروف عبدالمجيد الزنداني، وكان الجدل حينها يتطرق للحوثية والسلفية والعلاقة بين الطرفين.
بعد هذا بأحد عشر عاماً أصدر مركز المسبار للدراسات والبحوث كتابه الشهري «الحادي والثلاثين» في يوليو 2009، وجاء مقدمة رئيس المركز تركي الدخيل ما نصه: «من هنا أتى هذا الإصدار ليشعل مصباحاً يضيء عتمات المشهد الشيعي في اليمن، ونأمل أن يشكل كتابنا (شيعة اليمن) هذا إضافة في هذا المجال»، وقد تضمن الكتاب دراسات متعددة لكل جوانب ذلك المشهد، وأبان عن وعي مبكر بخطورة «الحركة الحوثية» التي تحولت إلى ميليشيا.
كتب د. فؤاد البنا في ذلك العدد قائلاً: «هذه أهم الدلائل التي تشير إلى أن الحركة الحوثية حركة شيعية ذات جذور زيدية وتوجهات اثني عشرية، وبالتالي ذات علاقات وثيقة بإيران والسياسة الإيرانية في المنطقة، مما يهدد على المدى البعيد بتحويل صعده إلى قنبلة (إمامية) موقوتة، يمكن أن تفجّر الوضع في اليمن والسعودية التي تقع صعدة على حدودها» وهو ما حدث بحذافيره لاحقاً، كما أضاف البنا: «أثبت الحوثيون أنهم يمتلكون تخطيطاً دقيقاً وتنظيماً موحداً وإمكانات كبيرة، وإخلاصاً عالياً لقضيتهم».
لقد مزّق حسين الحوثي شهاداته الجامعية، وعكف على تأسيس التنظيم وكتابة «الملازم»، والملازم هي كتابات متفرقة تمّ جمعها لاحقاً، كانت توزّع على الأتباع لقراءتها وحفظها والامتثال لها، وهي تعبير دقيق عن مستوى تفكير حسين الحوثي ومبلغه من العلم، وهي دليل لا يعتوره شك في أن الأيديولوجيا المنظمة مع خطاب التفاهة قد تصنع قوة مؤثرة. في اليمن شيعة إسماعيلية قليلون وزيدية كثيرون، وفيها سنة شافعيون وسلفيون وإخوان، والزيدية العتيقة في اليمن معتزلية في العقائد وحنفية في الفقه، ولا علاقة لها بانحراف «الحوثي» نحو الشيعة الإمامية، ومن ذلك: الاحتفال بيوم الغدير، وإقامة طقوس عاشوراء، والبكاء على الحسين، ولعن قاتليه، وسب بعض الصحابة، وهو انحراف يتزايد لا يتناقص.
حركات الإسلام السياسي السُنية والشيعية تتشابه كثيراً ومثلها تنظيمات الإرهاب وميليشياته في الجهتين، فحركات الإسلام السياسي السنية لم تصل إلى السلطة بشكل كامل في منطقتنا سوى في فترات محدودة، ولكن مثيلتها الشيعية وصلت لسدة الحكم في إيران البلد الكبير في المنطقة وسيطرت على الحكم لما يقارب النصف قرن.
أخيراً، فتنظيمات العنف الديني السُنية لا تكاد تنجح في مكان ما حتى تسعى لفتح فروع لها في كل مكان في العالم، مثل تنظيم «القاعدة» وتنظيم «داعش»، بينما تصرّ إيران على أن تبني في كل بلد ميليشيا إرهابية مسلحة محلية، فـ«حزب الله» اللبناني يسيطر على لبنان وليس له فروع حقيقية خارجها، وهكذا حركة «حماس» في غزة وهي تنظيم إرهابي سني، ولكنه خاضع بالكامل للقرار الإيراني، وكذلك ميليشيات العراق المسلحة، وضمن هذا السياق حركة «الحوثي» في اليمن.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


