كبار المواطنين.. قيم وشيم
‎جريدة الإتحاد -

كبار المواطنين.. قيم وشيم

في منطقة السيح، تلك الجغرافيا التي تقتعد الفضاء، وتطل على الجبل المجاور، كأنها الجارة الوفية لم تزل تحفظ الود، رغم تغير الزمان، ودورة الأيام، واختلاف الظروف، ظلّت هذه المنطقة الحصوية تعاين الشمس، وهي تلقي بقرصها المستدير على الوجود مثل خاتم عملاق، يصون جبين العالم، منذ أمد الكون البعيد، هناك يسكن هذا الضالع في حب الحياة، هذا الطاعن في شيخوخة، كأنها الشجرة المعمرة، هناك هدأت سريرته، ولم تغِب عنه مقارعة السنين، بنظرة، ثم ابتسامة، ثم ولع بما تبديه الأرض الطيبة، من عفوية، سقفها السماء الزرقاء وبساطها حصير، من سعفة كانت في يوم من الأيام مروحة لنخلة أشف من النسيم. 
عندما قابلته، نهض الرجل، مستنداً إلى سنين العمر، متكئاً على مسند وهو يطالع الغروب، وقد بدت الشمس كقرص عملاق، وقفت أمامه، وكأني أقف في مواجهة الدهر، وكان شامخاً، متحدياً، متجذراً، في الأرض مثل سدرة تسللت للفضاء، وأطلت على العالم من خلال أغصان، تشبه الأنامل الرخية. ألقيت عليه التحية، ورد بخيلاء رجل تاريخي عتيد، ثم طلب مني الجلوس، فجلست، ورفع سخان القهوة العربية وسكت الدخان الفضي الذي يسبق السائل البني، قبل حلول منطقة صغيرة في فنجان خزفي، ارتشفت أول الرشفات، ورائحة الزعفران تتطاير مع الدخان مثل أجنحة الطير المحلّق في سماوات السيح البهي. عرفته عندما أشاح بساعد كعود منحوت بسكين الزمن، وقلت ربما يكون هذا والد لأحد الأصدقاء القدامي ولما ذكر اسمه ولقبه، قلت نعم لقد وصلت، ولم يكن ليغيب عن ذاكرتي لولا تغير سحنة الوجه الذي برته الأيام، والمرض.
 وظلَّ الرجل يسرد قصة الماضي، بثقة، وحب، ظلَّ يتحدث عن البنين الذين كبروا، وغادروا العش، حيث جذبتهم لقمة العيش، ولما سألته عن علاقته بهم خفض رأسه، ثم رفعه، ومسح دمعة كانت تنتظر مجيئي حتى تهل من بين المقلتين لتصرح بالعبارة الواضحة، بأن الحياة تغيَّرت، ولكن القلب، قلب الأب لا تغيره السنون، مهما بلغت المسافة، ومهما تفرقت الدروب، فلابد أن يلتفت القلب في كل صباح ومساء، ويبحث عن الذين كانوا هنا وقد رحلوا اليوم. ولما سألته عن الدنيا، أخذ نفساً عميقاً، حتى تحركت الضلوع البارزة في الصدر المملوء بصور عوالم قد لا يعرفها إلا من عاشها، وشرب من كؤوسها المرة، والحلوة. 
يقول الرجل في مجمل حديثه، أعيش هنا مع زوجة خلا قلبها إلا من الحنين إلى فلذات الأكباد، وعندما أحاول تضميد الجروح، تقول لي بلهجة ضارعة شكراً على الحب، شكراً لقلبك السخي.
ولما فكرت في مغادرة المكان وهممت بتوديعه، أبى إلا أن يتمسك بي، لكي يستضيفني في وجبة غداء.. شعرت بمدى أثر تلك القيم العتيدة، وشيم الناس الطيبين، ولما خطوت عدة خطوات، اعتقد أنه سيغلق الباب، وتنتهي ملحمة اللقاء ولكن، ظل الباب مفتوحاً، كما رأيته عند بداية اللقاء، ظل الباب مشرعاً كما هو قلب الرجل كما العادات، والتقاليد تظل مفتوحة على المدى إلى أمد الدهر.



إقرأ المزيد