جريدة الإتحاد - 11/9/2026 12:17:28 AM - GMT (+4 )

دعتني إحدى الصديقات لتناول الشاي العدني والخمير الحالي في منزلها، فهي طباخةٌ ماهرة وسيدة بيتٍ محترمة، لا تعرف أي شيءٍ عن تطبيقات توصيل الأكل إلى المنازل أو أي مكانٍ آخر. بعد التحية والملاطفات، «حلّقتُ بها» برمستنا، لويتُ عليها وعاتبتها لأني لم أرَها منذ سنواتٍ طويلة، وها هي الآن تعزمني على الفوالة في منزلها لتدعوني لحضور زواج ابنتها المصون. لم أذكر من الفوالة أي شيء، لأن الأحاديث المتشعبة كانت مشبعة بالفكاهة والضحك، فضاع الوقت، إذ داهمتنا الذكريات والتوقعات في آنٍ واحد.
عندما رُفِع أذان المغرب سألتها بكل كسلٍ واتكالية عن اتجاه القبلة، فقالت: «اصبري سأحضر لكِ ملثمة»، فقلت لها: «وما عسى ذلك يكون؟»، فردت وهي تدخل غرفة ابنتها: «شيلة صلاة، ملفع، ليسو!». فقلت لها: «كلامكِ كله صحيح، إذ يقول ابن منظور في لسان العرب: لثّم الشّخْص فمه أي جعَل عليه طرفَ ثوبٍ أو نِقابٍ، وتَلَثَّمَتِ الْمَرْأَةُ أي وَضَعَتْ لِثاماً على أَنْفِها أَوْ فَمِها، ولثَّم اللِّصُّ وَجْهَه حتَّى لا يُعْرَف. لذا فإن اللِّثَامُ ما كان على الفم من النقاب، بينما اللَّثْمُ هو التقبيل». شكرتها لأنها علمتني شيئاً لم أكن أعرفه من قبل!
أكملنا مشاوير السوالف والضحك بعد الصلاة، وعندما حان وقت الرحيل ناولتني كيساً أنيقاً فيه درعٌ ومقرمة، وقالت: «أعرف أن الدرع قد لا يشبه ذوقكِ، ولكن في ليلة الغُسل كلنا سنرتدي الدروع والمقارم! وما أحببتُ أن تكوني مختلفةً عن الصديقات اللاتي سيحضرن هذه الفعالية».
عدتُ أدراجي وجلستُ وقلتُ لها: «دلا.. دلا.. يعني بالمصري: شوية شوية يا علام! ما المقصود بالغُسل؟ وما الدرع؟ وما المقرمة؟». ضحكتْ بصوتٍ مميز وقالت: «هذه فرصتي لأعرّفكِ على التراث اليمني، أولاً: الغُسل حفلةٌ تجتمع فيها النساء للتعبير عن انتقال العروس من مرحلة العزوبية إلى الحياة الزوجية، وهي فرصةٌ لتقديم النصائح، وتبادل الخبرات، والاحتفال بالمناسبة السعيدة».
وفي جوٍّ يقلب فيه الفرح كل موازين التعاسة، يكثر الغناء والشرح والملابس الباهية، ومنها الدرع، وهو قماشٌ يُخاط على هيئة ثوبٍ فضفاض، ولكن حنكة النساء تجعل منه عنصراً للجذب ومعياراً للجمال. والمقرمة قطعةٌ من القماش لها استخدامات كثيرة، أهمها غطاء الرأس للستر، وأحياناً للغنج والدلع. ويعود أصلها إلى تعريف لسان العرب بأن: «القِرَامُ: سِتر فيه رَقْمٌ ونُقُوش، والقِرَامُ ثوبٌ غليظ من صُوف ذي أَلوان يُتَّخذ سِتْراً، ويُتَّخذُ فِراشاً في الهَوْدَج، والجمع: قُرُمٌ».
للعارفين أقول: زيارةٌ ثمينة لها روافد خصبة، وهناك مثلٌ شعبي يقول: «الحب يطلع على بذرة». وكما يرتبط البشر بتفاصيل هويتهم الوطنية، علينا ألا نفرط بكنوز ثقافتنا، وأن نسعى للتفرد والتميز، استناداً إلى جذورٍ ضاربة وفروعٍ شامخة.
إقرأ المزيد


