قطاع الأغذية يعزّز مكانة الإمارات الاستثمارية عربياً
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في تطوُّر يعكس رؤية استراتيجية عميقة وبيئة أعمال جاذبة نجحت في استقطاب رؤوس الأموال وتوجيهها نحو أحد أهم القطاعات الحيوية لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية المستدامة، أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات «ضمان» تصدر دولة الإمارات العربية المتحدة المشهد الاستثماري العربي في قطاع الأغذية والمشروبات، وهو ما يعكس رؤية استراتيجية عميقة وبيئة أعمال جاذبة نجحت في استقطاب رؤوس الأموال وتوجيهها نحو أحد أهم القطاعات الحيوية لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية المستدامة.

والحاصل أن هذا التفوق لم يكن وليد الصدفة، بل نتاجَ تخطيط استباقي ينسجم مع «الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051»، والتي تستهدف أن تكون دولة الإمارات الأفضل عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي العالمي بحلول عام 2051، إلى جانب تطوير إنتاج محلي مستدام، وتكريس التقنيات الذكية في إنتاج الغذاء وبنية تحتية لوجستية عالمية المستوى، وسياسات اقتصادية مرنة، تجعل من الإمارات مركزاً إقليمياً محورياً ليس فقط في التجارة وإعادة التصدير، بل في مجال التصنيع الغذائي المتقدم وتقنيات الزراعة الحديثة أيضاً.
وتتحدث الأرقام بوضوح عن ريادة دولة الإمارات في قطاع الأغذية، حيث تستحوذ على حصة تبلغ 45% من إجمالي عدد المشاريع الاستثمارية العربية البينية في هذا القطاع، كما تسيطر على ما نسبته 58% من مجمل تكلفتها الاستثمارية، ما يؤكد ثقلها كلاعب رئيسي وكمحرك بارز للاستثمارات في هذا المجال على مستوى المنطقة، ودورها كحلقة وصل موثوقة بين الشرق والغرب.
وعند النظر إلى الصورة الأوسع، فإن قطاع الأغذية والمشروبات في المنطقة العربية ككل قد شهد زخماً استثمارياً لافتاً خلال العقدين الماضيين. فقد استقطب ما مجموعه 516 مشروعاً أجنبياً بين يناير 2003 وديسمبر 2024، بتكلفة استثمارية إجمالية قاربت 22 مليار دولار. هذه الاستثمارات الضخمة لم تكن مجرد أرقام في الميزانيات، بل تُرجمت إلى واقع ملموس تمثل في توفير نحو 93 ألف فرصة عمل مباشرة، وهو ما يمثل محركاً مهماً للتنمية الاجتماعية والاستقرار في العديد من الدول العربية.
وفي هذا السياق، تبرز الاستثمارات العربية البينية كعامل حاسم في تعزيز التكامل الاقتصادي والأمن الغذائي الإقليمي، حيث بلغت قيمتها 6.5 مليار دولار، أي حوالي 30% من إجمالي تكلفة المشاريع الأجنبية، وتأتي ريادة الإمارات هنا لتؤكد دورها كقاطرة لهذا التكامل، وتشجيع رؤوس الأموال العربية على البقاء والاستثمار داخل المنطقة.
وفي الواقع، فإن جاذبية المنطقة العربية للاستثمار في قطاع الأغذية والمشروبات لا تقتصر على المستثمرين العرب فقط، بل تمتد لتشمل لاعبين دوليين كباراً. وتتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول المستثمرة في المنطقة، حيث ضخت استثمارات تقارب 4 مليارات دولار في 74 مشروعاً، وهو ما يمثل 18% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في القطاع. وهذا الاهتمام الدولي يؤكد الإمكانات الهائلة، التي يزخر بها السوق العربي، من حيث القوة الشرائية المتنامية والتعداد السكاني الشاب، ويعطي شهادة ثقة في استقرار ومستقبل المنطقة.
ولا يمكن فصل ريادة دولة الإمارات في قطاع الأغذية عن التوجه الاستراتيجي لها نحو اقتصاد المعرفة والابتكار، فهي تستثمر بكثافة في منظومة التكنولوجيا الغذائية والزراعية، وتعمل على إنشاء مراكز بحثية وحاضنات أعمال متخصصة، مثل مشروع «وادي تكنولوجيا الغذاء في دبي»، وهذا التوجه لا يهدف فقط إلى زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، بل يسعى إلى تصدير المعرفة والتقنيات المبتكرة إلى المنطقة والعالم.
وبالنظر إلى المستقبل، تبدو الآفاق واعدة للغاية. إذ أشار التوقعات إلى أن مبيعات الأغذية والمشروبات في المنطقة العربية كانت مرشحة للارتفاع بمعدل 8.6% لتتجاوز 430 مليار دولار بنهاية عام 2025، مع توقعات بأن يصل هذا الرقم إلى 560 مليار دولار بحلول عام 2029. وفي خضم هذه الديناميكية، تواصل الإمارات ترسيخ مكانتها ليس فقط كأكبر مستثمر، بل أيضاً كمركز تجاري ولوجستي حيوي يستأثر مع أربع دول عربية أخرى بنحو 70% من إجمالي حجم التجارة في القطاع. إن ريادة الإمارات في هذا المجال هي شهادة على نجاح رؤيتها الاقتصادية وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، مما يجعلها نموذجاً يحتذى به في تحقيق الأمن الغذائي والازدهار الاقتصادي على مستوى المنطقة العربية.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.  

 



إقرأ المزيد