جريدة الإتحاد - 1/18/2026 3:06:43 AM - GMT (+4 )
فاطمة عطفة
في إضافة نوعية إلى المكتبة العربية والمعرفية، أُعلن عن طباعة ونشر الأجزاء الـ6 الأولى من «معجم البلدان» لياقوت الحموي، بتحقيق الباحث عبدالله بن يحيى السريحي، في طبعة علمية حديثة تتجاوز أخطاء الطبعات السابقة، وتعيد لهذا الأثر الموسوعي مكانته التي استحقها عبر القرون.
يُعد «معجم البلدان» من أكبر وأشمل الكتب التراثية في الجغرافيا العربية والإسلامية، إذ ألّفه الرحالة ياقوت الحموي عام 1229م بعد رحلة طويلة في الدرس والبحث والأسفار. وتأتي الطبعة الجديدة التي تبنّتها دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي لتعيد الاعتبار إلى هذا السفر المعرفي الواسع، مقدمةً إياه في صيغة تجمع بين الصرامة العلمية والدقة في الضبط وإخراج النص.
15 ألف مادة
يضم المعجم ما يزيد على 15 ألف مادة جغرافية، تشمل مدناً وبلدات وجبالاً وأنهاراً وأودية ومواضع اندثرت أو تغير اسمها، فضلاً عن الإشارات التاريخية واللغوية والأدبية المرتبطة بكل موضع. وامتدت خريطة ياقوت من أقصى غرب العالم الإسلامي في الأندلس إلى أقاصي آسيا حتى حدود الصين، فوثّق أسماء الأمصار قبل تفكُّكها وسقوطها.
وأوضح الباحث عبدالله بن يحيى السريحي أن قيمة المعجم تتجاوز مجاله الجغرافي، إذ تحوّل عبر القرون إلى موسوعة ثقافية ومعرفية متكاملة، يستفيد منها الباحثون في التاريخ والأدب واللغة والأنساب والاجتماع، لما يضمه من روايات وتعليقات من مصادر متعددة.
ويذكر أن ياقوت لم يكتفِ بنقل المادة الجغرافية من كتب السابقين، بل أعاد صياغتها بحس نقدي يقارن ويوازن، ويختار بين الروايات، ويشير إلى اضطراب الأخبار أو تناقضها. كما أضاف من تجاربه في السفر، وما سمعه من العلماء والرحالة والتجار، وما رآه بنفسه في المناطق التي زارها، حتى جاء المعجم تمازجاً من النصوص المدونة والمعرفة الميدانية.
أول طبعة حديثة
تكمن أهمية الإصدار الجديد في تدارك ما اعترى الطبعات السابقة من أخطاء ونقص. فقد عرف «معجم البلدان» أول طبعة حديثة على يد المستشرق الألماني هنري فرديناند فستنفلد بين عامي 1866 و1873، في 4 مجلدات ضخمة مع جزء للفهرسة. وبالرغم من الجهد الهائل الذي بذله فستنفلد في جمع المخطوطات ومقابلاتها في زمن لم يكن فيه نَسْخ الصور متاحاً، فإن تحقيقه ظل أسير منهج المستشرقين في القرن التاسع عشر، فاقتصر على ضبط النصوص من دون التحقق من مادتها العلمية، ما أدى إلى وقوع تحريفات واختلالات.
وجرى طبع الكتاب في مصر بين عامي 1906 و1907 في 8 أجزاء، ثم في بيروت منتصف خمسينيات القرن الماضي في 5 مجلدات، إلا أن تلك الطبعات أعادت نشر المادة كما وردت من دون مراجعة علمية.
قيمة الكتاب
ترى الدائرة والمحقق السريحي أن الطبعة الجديدة تأتي لتضع بين أيدي المؤسسات الأكاديمية والباحثين نصاً محرراً يليق بقيمة الكتاب ومكانة مؤلفه. وتعتمد الطبعة على منهج علمي حديث يقوم على المقابلة بين النسخ، وتوثيق الاختلافات، والتثبت من المواضع والمصطلحات، وضبط الأعلام، وتنسيق النص على نحو يسهل الرجوع إليه والاستفادة منه.
ويؤكد السريحي أن العمل لن يقف عند الأجزاء التي صدرت، بل ستتوالى بقية أجزاء المعجم حتى اكتماله، ليعود هذا المصدر الموسوعي إلى دوره الطبيعي مرجعاً أساسياً لفهم تاريخ الأمصار والبلدان، وإحدى نوافذ التراث العربي التي لا غنى عنها في زمن تتجدد فيه القراءة ويُعاد فيه الاعتبار للمعرفة الأصلية. ويعود «معجم البلدان» إلى الضوء، لا بوصفه إرثاً محفوظاً، بل باعتباره نصاً حياً يعاد اكتشافه ومقاربته في سياق علمي حديث، ويسترد مكانته باعتباره أحد أعمدة معرفة جغرافية وثقافية شكّلت رؤية العرب للعالم وأثرهم فيه عبر العصور.
إقرأ المزيد



